فهرس الكتاب

الصفحة 1459 من 23694

إن النوع الأول من المعرفة لا يهمنا. بقي النوع الثاني وهو الذي يجب علينا أن نوازن بينه وبين العلم بمفهومه الحديث، من خلال ما أتينا على ذكره من العلوم المختلفة التي عرضها ابن سينا، فلنتأمل تعريفه للعلم بعض التأمل. إنه يتألف من قسمين متساويين: الأول"معرفة ثابتة ودائمة"، والثاني:"أحكامها تجري مدى الدهر كله، فهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعًا، وصادقة في الحالات كلها". إننا إذا أنعمنا النظر قليلًا في القسمين، وجدنا أن القسم الثاني تفسير للقسم الأول. فالتعريف هو بالاختصار:"معرفة ثابتة ودائمة"، أما تفسيره فهو"أحكامها تجري مدى الدهر كله"، أما عبارتا"وهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعًا، وصادقة في الحالات كلها"، فليستا إلا فضًا لمضمون عبارة التفسير. وهذا يعني في التحليل الأخير، إن العلم هو المعرفة الثابتة والدائمة في نظر ابن سينا.

فلننطلق من هذا التعريف، ولنتساءل: ألا زلنا في عصرنا الحاضر نؤمن بعلم ثابت ودائم، كما كان ابن سينا يؤمن؟ إذا أخذنا الرأي الشائع عن العلم، كان لابد لنا من أن نرى تطابقًا تامًا بينه وبين ما يراه ابن سينا، بل أن هذا الرأي هو الذي ظل سائدًا إلى أواخر القرن التاسع عشر: فالعلم جملة من القوانين العلمية التي تنظم الحقائق الجزئية، والقانون العلمي هو العلاقة الثابتة بين ظاهرتين أو أكثر. ومتى قلنا ثابتة، قلنا دائمة في الوقت ذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت