فهرس الكتاب

الصفحة 1458 من 23694

3 ـ أما العلوم العملية فلم يعد لها مكان بين العلوم، لأن العلم أصبح نظريًا في رأينا، وإن كانت له تطبيقات عملية، ولهذا أصبح التفريق الحديث تفريقًا بين علوم وضعية وعلوم معيارية، فغدت العلوم الوضعية هي العلوم على الحقيقة، وأدخلت العلوم المعيارية في عداد المباحث الفلسفية. ومن هذه علم الأخلاق، وعلم تدبير المدينة (السياسة) . أما علم تدبير المنزل، فقد نما واتسع وتشعب وتطور، وأصبح علمًا وضعيًا ندعوه علم الاقتصاد، الذي أصبح له قوانينه ونظرياته الخاصة. وإن كانت ملامحه الجديدة لا تذكرنا كثيرًا بملامحه القديمة. وأما علم النبي فهو الشريعة في ثوبها الديني الإسلامي. ولا يخفى أن الشريعة شيء والعلم شيء آخر، بالمعنى الدقيق لكلمة علم.

ومن هذا نرى، إن مفهوم العلم لدى ابن سينا، كان أشمل بكثير من مفهومه لدينا: فلم يكن هناك تفريق بين بحث فلسفي وآخر علمي، بين علم وضعي وآخر معياري، حتى إن البحث العلمي كان يوضع تحت البحث الفلسفي، والعلم المعياري كان يختلط بالعلم الوضعي.

2 ـ ولكن، لننتقل الآن إلى الناحية الثانية من موضوعنا، وهي طبيعة العلم، ولنتساءل عن خصائصه في نظر ابن سينا وفي نظرتنا الحديثة.

إذا رجعنا إلى منطق المشرقيين ـ وهو من كتب ابن سينا المتأخرة ـ وجدناه يفرق بين نوعين من المعرفة:

1 ـ معرفة عابرة وغير دائمة، ولا تجري أحكامها مدى الدهر كله، وهي إن صدقت، كان صدقها في زمان دون زمان، وفي حالات دون حالات، ثم يسقط صدقها فيما بعد. إن هذا النوع من المعرفة لا يستحق أن يسمى علمًا.

2 ـ معرفة ثابتة ودائمة، وأحكامها تجري مدى الدهر كله، فهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعًا، وصادقة في الحالات كلها. إن هذا النوع من المعرفة هو الذي يصدق عليه اسم العلم، بالمعنى الصحيح للكلمة. (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت