ثانيًا ـ إن العلوم التي هي غاية تنقسم إلى علوم نظرية وعلوم عملية. والعلوم العملية تستند إلى أعلاها وهو علم النبي، من الناحية العملية، ولكنها تستند هي وعلم النبي إلى علم ما بعد الطبيعة، من الناحية النظرية. وهكذا فعلم الأخلاق يستمد يقينه العملي من علم النبي الذي حدد ماهو عدل وماهو خير الخ.
ويستمد يقينه النظري من علم مابعد الطبيعة، ولاسيما مفهوماته النظرية التي يعتمد عليها، مثل العدالة والخير الخ ولكن علم النبي ليس نهاية المطاف من الناحية النظرية، لأنه يستمد يقينه من العلم الإلهي، الذي يستمد يقينه من علم مابعد الطبيعة.
ثالثًا ـ إن أساس اليقين هو علم مابعد الطبيعة، والطريق إليه هو المنطق: فيكفي أن نربط بالمنطق، الحقائق الجزئية ربطًا متسلسلًا محكمًا، بحقائق العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة، حتى نبلغ الحقيقة الكلية التي تشمل الحقائق الجزئية كلها.
إذا تأملنا هذه النقاط الثلاث، بدت لنا العلوم ـ في نظر ابن سينا ـ منظومة متكاملة مترابطة الأجزاء ارتباطًا محكمًا، بحيث يمكن الانتقال من أحدها إلى الآخر، انتقالًا عقليًا من ناحية، ولكنه يمكن استشارة الشريعة في تحديد مفهومات العلوم العملية وعلاقاتها، من ناحية أخرى. وهنا لابد لنا أن نتساءل: من أين استقى ابن سينا هذا الرأي، وما وجه تجديده فيه؟
إن كل من اطلع على تاريخ الفلسفة اليونانية بعامة، وعلى فلسفة أرسطو بخاصة، لابد له من أن يرى أن ابن سينا يتابع في هذا المعلم الأول من ناحية، ويضيف إليه رأي الشريعة الإسلامية. والحقيقة، فالجانب النظري مأخوذ من أرسطو، فهو الذي ربط العلوم كلها بعلم مابعد الطبيعة. ولكن الجانب العملي إضافة من ابن سينا استفادها من الدين الإسلامي. ولكنه منطقها وفلسفها حيث ربطها بعلم النبي أولًا، وتابع ربطها بالعلم الإلهي وعلم مابعد الطبيعة، ثانيًا.