وهكذا يبدو لنا بوضوح، إن علم النبي يعتمد ـ من الناحية النظرية ـ على علم ما بعد الطبيعة، وإذا كانت العلوم العملية تعتمد من الناحية العملية على علم النبي، كان لابد لها ـ من الناحية النظرية ـ من أن تعتمد على علم ما بعد الطبيعة، شأنها في ذلك شأن العلوم النظرية.
2 ـ قيمة مفهوم العلم السينوي
ولكن، ما الذي ننتهي إليه من عرضنا السابق؟ وما قيمة المفهوم الذي قدمه ابن سينا لنا عن العلم، في ميزاننا الحديث؟ يمكننا أن ننظر إلى المسألة من ناحيتين: ناحية الشمول، وناحية الطبيعة، فنتكلم في الأولى على الأنظمة التي كانت تعد علمًا، وكيف تطورت فصارت إلى ما صارت إليه في عصرنا الحاضر، ونتكلم في الثانية، على النظرة إلى خصائص العلم كيف فهمها ابن سينا، وكيف أصبحنا ننظر إليها في أيامنا هذه. فلنبدأ بناحية الشمول.
1 ـ لابد لنا قبل إبداء رأينا في مفهوم العلم لدى ابن سينا، من أن نشرع في استخلاص نتيجة مما سبق لنا أن عرضناه، تمهيدًا لإبداء هذا الرأي. ويمكننا أن نحصر هذه الخلاصة في النقاط التالية:
أولًا ـ إن العلم لدى ابن سينا نوعان: علم هو آلة، وعلوم هي غاية، والعلوم التي هي غاية بعضها نظري، وبعضها عملي، بيد أنه ما من انفصال بين النوعين، لأن العلم الذي هوغاية يتآلف نسيجه في نوعيه، من العلم الذي هو آلة، فبه تترابط أجزاؤه فيما بينها، ويكون الأعم شاملًا ماهو أقل عمومية، والعام شاملًا ماهو خاص، والخاص شاملًا ماهو أخصّ. وإذا نحن أخذنا مثالًا شارحًا من العلم الرياضي، وجدنا علم العدد يدخل تحته الجمع والتفريق بالهندي، كما يدخل تحته الجبر و المقابلة. ولكنه واحد من أربعة علوم، هي علم العدد، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم الموسيقا، وكلها تستمد يقينها من الرياضيات بما هو علمها الشامل، والرياضيات تستمد يقينها الأول من علم ما بعد الطبيعة.