فهرس الكتاب

الصفحة 1454 من 23694

ومعنى هذا، أنه لابد للعلوم العملية من أن تستند إلى الأساس الذي تستند إليه العلوم النظرية، في نهاية الأمر. وبهذا الصدد يقول ابن سينا:"فقد دلت على أقسام الحكمة، وظهر أنه ليس شيء منها يشتمل على ما يخالف الشرع. فإن الذين يدعونها ثم يزيغون عن منهاج الشرع، إنما يضلون من تلقاء أنفسهم، ومن عجزهم وتقصيرهم، لأن الصناعة نفسها توجبه، فإنها بريئة منهم (49) ".

وهكذا يتبين لنا، أن علم النبي لا يعرف إلا بالوحي، وأن الوحي فرع من فروع العلم الإلهي، وأن العلم الإلهي جزء من الفلسفة الأولى. وهذا يعني، أن علم النَّبي يستند في نهاية التحليل، إلى علم ما بعد الطبيعة. أما أن علم النبي لا يعرف إلا بالوحي، فهذا ما اشار إليه ابن سينا، حينما قال:"... بل الناموس عندهم هو السنة النازلة، والمثال القائم الثابت، ونزول الوحي. والعرب أيضًا تسمى الملك النازل بالوحي ناموسًا. وهذا الجزء من الحكمة العملية يعرف به وجود النبوة، وحاجة نوع الإنسان في وجوده وبقائه ومنقلبه، إلى الشريعة (50) ".

وأما أن الوحي فرع من فروع العلم الإلهي، فهذا ما يمكننا أن نفهمه من كلام ابن سينا، حين أخذ في سرد فروع العلم الإلهي، فقال:"فمن ذلك معرفة كيفية نزول الوحي والجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي، وأن الوحي كيف يتأدى حتى يصير مبصرًا أو مسموعًا بعد روحانيته (51) ".

وأما أن العلم الإلهي جزء من الفلسفة الأولى، فهو معروف. ولكن لابأس علينا، إذا استشهدنا بنص من نصوص ابن سينا، لنتأكد من أنه يجري في مجرى ماهو معروف. يقول في تعداد أقسام الحكمة النظرية مايلي:"وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير، فلا يخالطها أصلًا، وإن خالطها فبالعرض، لأن ذاتها مفتقرة في تحقيق الوجود إليها، وهي الفلسفة الأولى، والفلسفة الإلهية جزء منها، وهي معرفة الربوبية" (52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت