فبهذا العلم، عدا ما ذكرنا ـ تعرف وجوه النبوة، وحاجة النوع الإنساني ـ في وجوده وبقائه ومنقلبه ـ إلى الشرائع التي يأتي بها الأنبياء، كما يعرف من جهة أخرى، بعض الحكمة في الحدود الكلية المشتركة في الشرائع، والتي تحض شريعة شريعة، بحسب قوم قوم، وزمان زمان، ويعرف الفرق بين النبوة الإلهية والدعاوي الباطلة كلها (47) .
وهكذا يكون علم النبي أساسًا تقوم عليه العلوم العملية الثلاثة، كما كان علم مابعد الطبيعة أساسًا تقوم عليه العلوم النظرية الثلاثة. وبهذا الصدد يقول ابن سينا:"فواجب إذن، أن يوجد نبي، وواجب أن يكون إنسانًا، وواجب أن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمرًا لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها. فهذا الإنسان ـ إذا وجد ـ وجب أن يسن للناس في أمورهم سننًا بأمر الله تعالى وإذنه ووحيه، وإنزاله الروح القدس عليه، فيكون الأصل فيما يسنه، تعريفه إياهم أن لهم صانعًا واحدًا قادرًا، وأنه عالم بالسر والعلانية، وأن من حقه أن يطاع أمره، وأنه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق، وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد، ولمن عصاه المعاد الشقي، حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة، بالسمع والطاعة (48) ".
4ـ التعقيب على أساس العلوم العملية:
ولكن، هل يعني هذا، أن أساس العلوم العملية غير أساس العلوم النظرية؟ إذا تذكرنا ما ذهب إليه ابن سينا من فرق بين العلوم النظرية والعلوم العملية، وهو أن الأولى غايتها حصول رأي فحسب، وأن الثانية غايتها استخدام هذا الرأي من الأعمال، كان لابد لنا من أن نستنتج العلاقة الوثيقة بين هذين النوعين من العلوم.