فهرس الكتاب

الصفحة 1452 من 23694

ولكن تدبير أمر المدينة لا يمكن أن يكون، من دون سنن تجري عليها، ومن دون سانٍ يضع هذه السنن. يقول ابن سينا:"فمن كان منهم غير محتاط في عقد مدينته على شرائط المدنية، وقد وقع منه ومن شركائه الاقتصار على اجتماع فقط، فإنه يتحصل على جنس بعيد الشبه من الناس، عام لكمالات الناس، ومع ذلك، فلابد لأمثاله من اجتماع، ومن تشبه بالمدنيين. وإذا كان ظاهرًا، فلابد في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لابد في ذلك من سائر الأسباب التي تكون له، ولابد في المعاملة من سنة وعدل، ولابد للسنة والعدل من سان ومعدل. ولابد أن يكون هذا إنسانًا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك، فيختلفون، ويرى كل منهم ماله عدلًا، وما عليه ظلمًا (43) ".

د ـ علم النّبي:

وفوق هذه العلوم العملية الثلاثة، نجد علم النّبي، الذي تستمد منه أصولها، إذ أن مبدأ هذه العلوم الثلاثة مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، وكمالات وجودها تستبين بها. بيد أن ذلك لا يكون من دون القوة النظرية التي يتمتع بها البشر. إن هذه القوة هي التي تتصرف بهذه العلوم، في ضوء الشريعة الإلهية، فتتناول القوانين التي عرفتها، والتي هي كلية، فتستعملها في الجزئيات التي تعرض لها هذه العلوم (44) . ولهذا، فليس من الحكمة في شيء، أن يفرد التقنين للفرد، والتقنين للمنزل، والتقنين للمدينة، كل على حدته، بل الأحسن أنه يكون المقنن لما يجب أن يراعى في كل من العلوم الثلاثة، شخص واحد هو النّبي (45) .

وهنا نلمس فارقًا أساسيًا بين التدبير والتقنين. إن تدبير المنزل وتدبير المدينة ينبغي أن يكون كل منهما على حدته. ولكن التقنين واحد منهما، بل في علم الأخلاق معهما أيضًا. ولهذا كان الأحسن أن يفرد العلم بالأخلاق، والعلم بتدبير المنزل، والعلم بتدبير المدينة، كل على حدته، وأن تجعل الصناعة الشارعة وما ينبغي أن تكون عليه، أمرًا مفردًا (46) ، في هذه العلوم الثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت