يبدأ تاريخ الاندلس في غرناطة ، لأن ما حدث في المدينة النصرية، هو سرد روائي لما حدث في قرطبة واشبيلية، فالمدينتان موشومتان بدمغة الاسلام، زهتا وكانتا منارتي الدنيا في ظل راياته الخضراء، اصطبغت بالدماء في حروب دينية عبثية، الغت الكثير من معالم حضارة اسلامية متفوقة، اضاءت النور في ظلمات الغرب الأوروبي، الذي كان راقدًا رقدة أهل الكهف، قبل ان تمس روحه عظمة الحضارة الاسلامية الانسانية، التي كان للآخر مكان فيها.
من غرناطة، ينشد فيديريكو غارثيا وحدة الأرض الاندلسية المثقلة بالمآسي، فنهر الوادي الكبير منابعه حمراء، صور اجراس اشبيلية تنعكس خواتم فوق صفحة الماء، والموت يترصد، في كل المنعطفات، الفرسان الراحلين إلى قرطبة الوحيدة والبعيدة، التي لن يصلوا إليها، على الرغم من أنهم يعرفون دروبها، وقرطبة الوحيدة والبعيدة، التي يرحل اليها الفرسان اللوركيون، هي جوهرة الدنيا في القرن العاشر وهي كما يوضح فرنسيسكو لوركا، الشقيق الاصغر لفيديريكو، عاصمة الخلافة الاموية، فالفرس الصغيرة السوداء التي يمتطيها الفارس هي عربية مسلمة في تاريخها، ومئذنة قرطبة ، هي أم الابراج التي يحدق منها الموت، وهو يترصد الفارس المسافر إلى اللامكان.
في قرطبة واشبيلية، كما في غرناطة انتهى طور تاريخي مسلم، كان أحلى وأروع ما في تاريخ الأندلس وحضارتها، وتحول إلى ذكرى تحضنها الأرض في احشائها، بينما يصرخ في الفضاء الفراغ الموجع للأشياء التي راحت، وتبكيها القيثارة بدموع سخية، وتبكي معها عشية بلا غد.