لمرة أولى تظهر غرناطة المسلمة في الديوان، مدينة متعبة، مسحوقة بواقعها، ترقد في ظل كاتدرائيتها المقورة مسلوبة الروح، لتذكرنا بصورة مورية رسمها لها طفلها الكبير في نثر وقعه ايضًا في عام 1917، وعبر فيه عن موقف أول، أو بالأحرى عن رؤية أولى للمدينة النصرية، المصلوبة بين تاريخين، تنتمي جذورها كما روحها الأصيلة إلى أولهما، سلختها عنه صروف الزمان، وظلت مليئة بالحنين إليه، بالرغم من انها اضطرت إلى ان تغير جلدها وتقاليدها، لغتها وعقيدتها، بعد ان قرعت الاجراس في برج الفيلا، في حمرائها العجيب، في الثاني من كانون الثاني لعام 1492.
في كتاب"مشاهد وانطباعات"يعتبر فيديريكو غارثيا لوركا، ان قصر الحمراء الذي ابدعه التخيل الاندلسي، كان دائمًا المحور الجمالي للمدينة، وما زالت غرناطة المسلمة التي راحت ، تتحدى بوجودها الزمان، فهي"لم تعرف ان قصر كارلوس الخامس والكاتدرائية المرسومة قد شيدا فيها". ولذلك تخضع بكبرياء نبيل لأقدارها، وتفلت من حصار الواقع لتصون التاريخ الذي تنتمي إليه، وتظل هادئة ورقيقة راسية نهائيًا في مكانها، تبحث لنفسها عن آفاقها. وحيدة وصافية، تنطوي على نفسها، تحد روحها العجيبة، ولا منفذ آخر لها غير مركزها العالي والطبيعي بين النجوم"."
كانت غرناطة النصرية حبيبة أولى وأخيرة في حياة فيديريكو غارثيا لوركا، وهي معشوقة واضحة الملامح، وشم تاريخها امراء الخزرج الناصريين، الاتين من شبه الجزيرة العربية، وتغني قبله برقتها الفريدة وجمالها النادر عشاق كبار من أمثال خوزي زوريا انخيل غانيفت، وهي القلب المسلم عند تخوم غوطتها تبدأ حدود الاندلس.