4-يكشف لنا جو هذا الديوان، عن قوة الإلهام الغنائي في حياة فيديريكو، ونتعرف من خلال أبياته إلى الشاعر الرومانسي المتألم، الذي يعكس لنا أيضًا من خلال أبياته صورة لتيارات عصره الشعرية، إذ تنتشر بعض قصائده في أجواء الحداثة ، فيصف لنا ليالي الشرق الذهبية، المليئة بالقبلات في قصور اللذة أو يشبه نظرة الغانية بعرق لؤلؤ.
في هذه القصيدة الأولى، يتلمس لوركا طريقه الخاص، ويبحث عن صوته الخاص، فهو متأثر بالحداثة ، يستعير منها رونق اللون ووهج الصور، ويرفض بالتالي ابتعادها عن بحر الحياة، فيدعو الشعراء الذين يتغنون بزهرات اللوتس الضخمة، وبقصور في أماكن مجهولة، للإحساس بالواقع والإنسان، والالتفات إلى أعماق النفس البشرية، لأن مشاعر القلب تفتح أمام القصيدة لانهائية من دروب.
إن قراءة قصيدة واحدة من هذا الديوان الذي تبقى بعض أبياته رتيبة الصدى في بعض الأحيان تفتح أمامنا ابواب عالم جذاب ولا نهائي ، يتميز بالغنى النفسي الخاص والمؤثر، يرسم لوركا لنا ابعاده بإحساس عميق مرهف، فتؤثر فينا شفافية الكلمة اللون- اللحن- الأعماق.
في هذه الأبيات الأولى، نتعرف إلى لوركا العبقري، المتعدد المواهب، الشاعر والرسام والموسيقي، الذي يحول قصيدته إلى لوحة تترجم باللون، أبعادا أولى لمشهد رمادي تقع عليه عيناه، وإلى سمفونية لمطر ولائتلافات معدنية، لنحاس وصرير تراب، يغرق القلب في الحزن، كما يكشف لنا عن التآلف الحميم الذي يوحد بين إحساس الشاعر بصقيع العدم حوله، وبين وجع الأشياء التي تغني احتضارها ، قبل ان يبتلعها الصمت ، في المدينة الراقدة في ظل كاتدرائيتها الموقرة.
في"أمسية كانون الأول"واحدة من قصائد الديوان الأولى، الموقعة في عام 1917، تظهر غرناطة مدينة راقدة الروح، مقفرة الشوارع، مغلقة الشرفات، غارقة في صمت ابدي، يغسله مطر كانون.