وبعد قرنين من الزمن، عندما انتقلت المشكلة الفلسفية ذاتها في القرن السادس إلى فلاسفة المغرب، وعلى راسهم ( ابن باجة) ، تغير وضع المشكلة تغيُّرًا جذريًا، فلم تعد المشكلة تتمثل في البحث في إمكان المدينة الفاضلة أو استحالتها. ذلك لأن البحث الفلسفي قد أصبح ينطلق عند ( ابن باجة) من التسليم بهزيمة المثال أمام ضغط الواقع، وهو ما تمثل في تسليم الفيلسوف باستحالة المدينة الفاضلة على هذه الأرض في إطار المجتمعات الإنسانية القائمة. وبدلًا من ذلك فقد سلم ( ابن باجة) باستحالة المدينة الفاضلة بمثابة الملجأ الذي كان في المشرق يلتمس لنفسه فيه نوعًا من الخلاص الشخصي. وهذا التغير في وضع المشكلة هو مااضطر (ابن باجه) إلى الانتقال إلى مفهوم ( المتوحد) أو (النابت) . والمدينة الإنسانية بمقتضى ذلك قد أصبحت بيئة غير صالحة لحياة العقل ولا لحياة الفيلسوف.
ولذا فإن الفيلسوف لم يعد يستطيع أن يعيش داخل المجتمع العربي المغربي في القرن السادس الهجري إلا متخفيًا ومتواريًا عن الأنظار. ولذا فقد أصبح متوحدًا، وأصبح هو وحده الذي يعرف أنه فيلسوف وعاقل، في حين أن جميع أبناء المدينة أو المجتمع يظنونه واحدًا منهم لايختلف عنهم في شيء. ومن المحتمل أن يكون هذا الأمر هو ما دفع (بابن باجه) لتطوير مفهوم (المتوحد- النابت) ، وإلى ابتكار نظام لحياته حتى يتمكن من العيش وسط هذا المجتمع غير العاقل وغير القادر على أن يعترف بالمواطنة داخله للفلاسفة العقلاء.
فإذا ما عدنا إلى التدبير- وهو سياسة المتوحد- النابت- فإنه يقال بالجملة."على ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة. فلذلك لايطلقونه على من فعل فعلًا واحدًا يقصد به غاية ما، فإن من اعتقد في ذلك الفعل أنه واحد لم يُطلق عليه التدبير، وما من اعتقد فيه أنه كثير وأخذه من حيث هو ذو ترتيب سُمي ذلك الترتيب تدبيرًا، ولذلك يطلقون على الإله أنه مدبر العالم ." (10)