لقد وضع (الفاربي) المفاهيم الفلسفية الأساسية التي أصبحت إطارًا لحياة الفيلسوف وعمله في البيئة العربية الإسلامية في المشرق والمغرب على حد سواء.. وهذه المفاهيم:"الفيلسوف الفرد المنعزل"و"المدينة الفاضلة"والمفهوم الثالث الذي يضطلع بعملية التوسط فيما بين المفهومين السابقين مما يسمح باندماجهما الواحد منهما في الآخر . وهو مفهوم (الاتصال بالعقل الفعال) . ويبدو أن الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي كان متشابهًا في المشرق والمغرب مما جعل تبنّي هذه المفاهيم ذاتها أمرًا ميسورًا في الفلسفة الأندلسية ، ذلك أن العقل قد كان هناك فيما يبدو خاضعًا لضغوط الفقهاء الرسميين الذين كانت سلطة الدولة الغاشمة تتخذ من آرائهم ومن فتاواهم ستارًا تخفي وراءه سلطتها اللاعقلية، وتتذكر لكل تطلع للعقل إلى أن يشرّع للواقع كي يجعله معقولًا. وهذا ماكان عليه الأمر أيضًا في المشرق العربي. ومن شأن هذا كله أن يسمح لنا بالافتراض بأن التواصل الفلسفي والعقلي - ضمن ظروف تكاد تكون متماثلة في المشرق والمغرب- أمر أوضح من أن يوضع موضع الشك والبحث.
لقد كانت المشكلة التي واجهت الفلاسفة في المشرق- ولاسيما (الفارابي) - هي أن الفيلسوف لم يكن ليحيا على المستوى الواقعي إلا في مدينة غير فاضلة. ولكن الفيلسوف كان مايزال على كل حال لم يفقد الإيمان بإمكان البحث النظري على الأقل في قيام المدينة الفاضلة وبعبارة أخرى، لقد ظل الصراع بين الواقع والمثال واضحًا وقويًا جدًا داخل نصوص ( كتاب أهل المدينة الفاضلة) (للفارابي) في القرن الرابع الهجري.