وهكذا فإن الفيلسوف قد ابتكر مفهوم المدينة الفاضلة نصّب نفسه رئيسًا عليها في محاولة منه لتحامي الواقع المغترب عن العقل في عالم متخيل مصنوع فازدادت بذلك المسافة الفاصلة بين الفليلسوف والواقع. فكأن فيلسوف (الفارابي) منغمس في معراج صاعد في اتجاه الواحد الذي فاض عنه كل شيء كما يقول (أفلوطين) ، ولئن صح ذلك فإن الفيلسوف يكون قد تجاوز الاغتراب عن الواقع إلى الفرار بصورة نهائية من الواقع نحو عالم متخيل لايمكن النظر إليه بصورة جدية إلا باعتباره يوتوبيا يجد فيها أو يحاول أن يجد فيها المتعبون أو المحزونون صورة من صور الخلاص والرجاء ليس إلا.
فمن يتحول إلى عقل خالص متصل دونما وساطة بالعقل الفعال يكون أقدر على الصعود إلى أعلى والخروج من العالم منه على الهبوط إلى عالم الواقع ومعاناة الألم والتمزق والاغتراب فيه عن الذات قبل النجاح في تدمير الواقع غير المعقول وتحويله إلى واقع عقلاني بوسع الكائنات العاقلة جميعها أن تهتدي إلى نفسها فيه.