فهرس الكتاب

الصفحة 14535 من 23694

على أن (الفارابي) على وعي دقيق بما يفرق البدن الحي عن المدينة الإنسانية:"فأعضاء البدن طبيعية، والهيئات التي لها قوى طبيعية، وأجزاء المدينة وإن كانوا طبيعيين، فإن الهيئات والملكات التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية بل إرادية. وأجزاء المدينة مفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بها إنسان لإنسان لشيء دون شيء. غير أنهم ليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهم وحدها ، بل بالملكات الإرادية التي تحصل لها وهي الصناعات وماشاكلها والقوى التي هي أعضاء البدن بالطبع ، فإن نظائرها في أجزاء المدينة ملكات وهيئات إرادية." (4)

فصميم الحياة الإنسانية هو الأفعال القائمة على الاختيار والإرادة بعكس الأفعال البدنية التي هي نتاج لقوى طبيعية قد غرست في الجبلّة على غير إرادة أو اختيار من الإنسان أو الفاعل. ذلك لأن الإرادة والاختيار دليل على أن الفعل محكوم بالعقل الذي أعلى ( الفارابي) من شأنه حتى لقد وضعه في منزلة سامية في المجتمع العربي الإسلامي في القرن الرابع الهجري.

إن جوهر مفهوم (المدينة الفاضلة) في فكر (الفارابي) يشير إلى إنتاج عقلاني أو مطابق للعقل ، يستطيع الفيلسوف الفرد أن يجد لنفسه ملجأ فيه . لقد قصد (الفارابي) من وراء هذه الفكرة إلى إن يبتكر محلًا هو أشبه بالمحل الهندي السيمتري بحيث يكون ملبيًا لمقتضيات العقل والعقلانية حتى يكون بإمكان الفيلسوف أن يظفر لنفسه فيه بنوع من الشرعية، ولربما فاز فيه أيضًا ببعض الاحترام في مقابل ما كان يلقاه من إنكار وعنت وعنت وعدم اعتراف من قبل الهيئة الاجتماعية التي يحيا في كنفها ولعله مايزال بوسعنا أن نجد شيئًا في حياتنا المعاصرة شبيهًا بما كان يلقاه المثقف أو الفيلسوف من المجتمع العربي في القرن الرابع الهجري . فالمثقف اليوم عامة يظفر بتقدير اجتماعي وحضور إعلامي أقل مما يلقاه التكنوقراطيون بل أقل بتلك المهن التي بينها وبين العقل طلاق بائن لارجعة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت