فالصنف الأول غير المنقسم هو أن يكون المعنى الذي صُرح به هو عين المعنى الموجود بنفسه. وهذا تأويله خطأ. أما الصنف الثاني فهو ألاّ يكون المعنى المصرح به في الشرع هو المعنى الموجود وإنما أخذ بدله على جهة التمثيل. وهذا الصنف هو القابل للتأويل. وينقسم بدوره إلى أربعة أقسام: الأول: أن يكون المعنى الذي صرح بمثاله لا يُعلم وجوده إلا بمقاييس بعيدة مركبة تتعلم في زمان طويل وصنائع جمة. وتأويل هذا القسم خاص في الراسخين في العلم ولا يجوز التصريح به لغير الراسخين.
الثاني: فالمعنى يصرح به أنه مثال ولماذا هو مثال. فتأويله هو المقصود منه والتصريح به واجب. وهو يعلم بعلم قريب منه.
الثالث: فيعلم بعلم قريب أنه مثال لشيء ويعلم لماذا هو مثال بعلم بعيد وهذا لا يتأوله إلا الخواص والعلماء.
والرابع: وهو المقابل لهذا وهو أن يكون كونه مثالًا معلومًا بعلم بعيد وإلا أنه إذا سُلّم أنه مثال ظهر عن قريب لماذا هو مثال ففي تأويل هذا أيضًا نظر. ( [18] ) إلا أن هذين الصنفين (الصنف الأول والصنف الثاني) متى أبيح التأويل فيهما تولدت منها اعتقادات غريبة وبعيدة عن ظاهر الشريعة. وربما فشت فانكرها الجمهور.
وهذا هو الذي عرض للصوفية ولمن سلك من العلماء هذا المسلك. ولما تسلط على التأويل في هذه الشريعة من لم تتميز له هذه المواضع، ولا تميّز له الصنف من الناس الذين لا يجوز التأويل في حقهم اضطرب الأمر فيها، وحدث فيهم فرق متباينة يكفر بعضهم بعضًا. ( [19] )
ترى لماذا يريد ابن رشد أن يحتكر التأويل أو أن يوقفه على الفيلسوف فقط، ألانه حقًا وحده، أو الفيلسوف وحده القادر على التأويل؟ وهل الفيلسوف وحده الراسخ في العلم يبدو لي أن تحديد المشكلة التي واجهت ابن رشد ليس التأويل. وليس التوفيق بين الحقيقة والشريعة بل كما قلنا نزع التناقض بينهما.