إذًا لم يكن ابن رشد معنيًا بتوسيع دائرة الفلسفة ليطلع عليها العامة. وآية ذلك أن الفيلسوف إنسان متميز بالطبع والصناعة. والمقصود هنا بالطبع أن الفيلسوف متميز كإنسان بالأصل وذو ملكات أكبر بكثير من ملكات الإنسان العادي. ويمكن القول إن ذو ذكاء فطري متفوق على غيره من الناس العاديين. وأما المقصود بالصناعة. فإن الفيلسوف صاحب هذه الملكة الفطرية قد اكتسب المعرفة الفلسفية والبرهانية عن طريق التعليم فصار متخصصًا بها وقادرًا على استخدامها الإستخدام الصحيح.
ولهذا فإن مطعن الجدليين الأساسي أنهم أوّلوا النص دون استخدامٍ صحيحٍ. فلا هم أقنعوا العوام ولا هم أقنعوا الخواص. وخطرهم على العوام أكثر لأن العوام غير قادرين على التمييز بين الصحيح والفاسد.
وقد عاد ابن رشد في كتاب"الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وتعريف ما وقع فيها بحسب التأويل من الشبهة والزيف والبدع المضلة"إلى عقائد علم الكلام والصوفية ناقدًا على نحوٍ صارخ تأويلات الكلاميين والصوفية.
كتب ابن رشد قائلًا""وقلنا هناك -ويقصد كتاب فصل المقال- أ.ب"- أن الشريعة قسمان: ظاهر ومؤول وإن الظاهر منها فرض الجمهور وأن المؤول هو فرض العلماء. وأما الجمهور ففرضهم فيه حملهم على ظاهره وترك تأويله، وأنه لا يحل للعلماء أن ينصحوا بتاويله للجمهور كما قال علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله"فقد رأيت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها، ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع (ص) بحسب الاستطاعة."
فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة وحتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة. كل واحد منهم يرى أنه أهل الشريعة الأولى. وإن من خالفه إمّا مبتدع وإمّا كافر مستباح الذمة والمال. وهذا كله عدول عن مقصد الشارع. وسببه ما عرض لهم من الضلال عن فهم مقصد الشريعة.