ترى إذا لم يكن هناك إجماع مستفيض، فهل على العامة أن تعرف تأويل الراسخين في العلم الفلاسفة،؟ يميز ابن رشد ثلاثة أصناف من الناس: الخطابيون، وهم العامة من الناس أو غالب الجمهور. وهم ليسوا أهلًا للتأويل، وصنف جدلي بالطبع وبالعادة وهم جمهور من الفقهاء وصنف البرهانيين، وهم الفلاسفة بالطبع والصناعة وهم أهل التأويل وأهل البرهان يجب ألا يصرحوا بتأويلهم للعامة أي لأهل الخطاب، إذ أنهم لا سبيل عندهم لفهمه ومتى صرح بشيء من هذه التأويلات لمن هو من غير أهلها -وخاصة التأويلات البرهانية لبعدها عن المعارف المشتركة- أفضى ذلك بالمصرّح له والمصّرح إلى الكفر. ( [12] ) والسبب في ذلك أن التأول إنما يقصد إلى إبطال الظاهر وإثبات المؤول فإذا أبطل الظاهر عند من هو أهل الظاهر ولم يثبت المؤول عنده أداه ذلك إلى الكفر إن كان في أصول الشريعة."فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور ولا تثبت في الكتب الخطبية أو الجدلية. ( [13] ) والتأويلات عند ابن رشد نوعان صحيحة وفاسدة . والتأويلات سواء أكانت صحيحة أم فاسدة ليس يجب أن تثبت في الكتب الجمهورية، أما التأويل الصحيح فهي الأمانة التي حُملّها الإنسان فأبى أن يحملها. والتأويلات الفاسدة هي الظنية والتصريح بها للجميع أنتج فرق الإسلام حتى كفَّر بعضهم بعضًا وبدع بعضعهم بعضًا ( [14] ) ومن هذه الفرق المعتزلة والأشاعرة، وقد صرحت هاتان الشيعتان بتأويلاتها -وخاصة الفاسدة منها- للجمهور. فضلًا عن ذلك فإن الطرق التي سلكها المعتزلة والأشاعرة في إثبات تأويلاتهم ليس فيها مع الجمهور ولا مع الخواص. وأما مع الجمهور فلكونها أغمض من الطرق المشتركة للأكثر. وأما على الخواص فلكونها -إذا تؤملت- وجدت ناقصة من شرائط البرهان. ( [15] ) "