يقول ابن رشد:"فإن الغرض من هذا القول -ويقصد فصل المقال- أن نفحص على جهة النظر الشرعي: هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح في الشرع أم محظور أم مأمور به؟ إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب. فنقول: إن كان فعل الفلسفة ليست شيئًا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعها. وأنه كلما كانت المعرفة بصنعها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك، فبين أن ما يدل عليه هذا الإسم إما واجب بالشرع أو مندوب إليه". ( [2] )
إذًا النظر في المصنوعات ومعرفتها لتكون المعرفة بالصانع اتم واجب على الشرع ومندوب إليه. فيكون أن المصنوعات تدل على الصانع -الله. وهدف الفلسفة أن تكون معرفتنا بالله معرفة عقلية.
غير أن هناك سؤالًا لا بد أن يطرحه صاحب الشرع أو الفقيه.
إذا كان الفيلسوف يؤمن بوجود الصانع الذي هو الخالق للمصنوعات. وإذا كان الخالق قد بعث الرسل والكتب لهداية الناس إلى عبادته. وإذا كان هناك وحي هو الواسطة بين الله والرسول فما هو مبرر الفيلسوف للوصول إلى ما وصل إليه الناس عبر الوحي ذاته؟
ولماذا يجب أن يخضع المصنوع والصانع للنظر العقلي كي يدلل على أمرٍ أخذ الله ذاته على عاتقه التدليل عليه. أي التدليل على ذاته وعلى مصنوعاته؟
قد يقول الفيلسوف أنه لا يشك بوجود الصانع كما لايشك بأنه صانع الموجودات. ولكن المعرفة ستكون أتم إذا وصل عقليًا لماهية الصانع وعلاقته بالموجودات.
ولكن لماذا تكون المعرفة بالعقل أتم من المعرفة عن طريق الوحي؟ إننا لا نجد جوابًا مباشرًا على هذا السؤال من قبل الفيلسوف لكنه سيجيب بطريقة أخرى، تقوم على أن الصانع ذاته قد دعا إلى ضرورة النظر العقلي وهذا وارد في النص القرآني.