ويتذكر ابن رشد قائلًا: لما دخلت على أمير المؤمين وجدت ابن طفيل في مجلسه. فابتدأ ابن طفيل يذكر شرف أسرتي وقدم عهدها واثنى علي ثناءً لا أستحقه. أما الأمير فإنه التفت إلي... وافتتح الحديث بهذا السؤال: ماذا يعتقد الفلاسفة في الكون؟ أهو قديم أزلي أم محْدث؟ فداخلني الوجل عند هذا السؤال، وأخذت التمس عذرًا لأتخلص من الجواب فأنكرت أني اشتغلت بالفلسفة، وما كنت عالمًا أن ابن طفيل اتفق مع الأمير على تجربتي. فلما رأى الأمير اضطرابي التفت إلى ابن طفيل وصار يباحثه في الموضوع، فروى كل ما قاله أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها. فأطمأنت نفسي حينئذٍ، وعجبت من ذكاء الأمير، وقوة ذاكراته التي يندر وجودها عند العلماء المنقطعين إلى مثل هذه الدروس. وهكذا تجرأت على الكلام ليرى الأمير مبلغ علمي في هذا الموضوع.
تدل هذه الحادثة على أن الاشتغال بالفلسفة أنذاك كان أمرًا مرذولًا يخشى إظهاره الفيلسوف حتى أمام أمير مولع بالعلم والفلسفة ويقرب المشتغلين بها إلى بلاطه.
ويبدو أن الفقهاء كانوا من السيطرة بحيث أنهم قد خلقوا الريبة بالفلسفة وأوقعوا الشبهة بالمشتغلين بها وأنهم زنادقة أو ملاحده أو بعيدين عن جادة الشريعة وكان من السهل عليهم أن يوغروا صدر الأمير والعامة على السواء ضد الفلاسفة.
وإلا لِمَ نجح الفقهاء في إقناع الخليفة يعقوب المنصور بمعاقبة ابن رشد ونفيه إلى أليسانه.
وليس النص المنشور الذي كتبه عن المنصور كاتبه أبو عبد الله بن عياش إلا دليلًا على ذلك فلنورده للقارئ ليعيش في مناخ ذلك الزمان.