وهكذا نلاحظ إلى أي حد يلح ابن سينا على ضرورة ربط العلوم النظرية بعضها ببعض، وربط أصولها ومبادئها بالفلسفة الأولى، لتكتسب منه صفة الضرورة. فهل وضع العلوم العملية شبيه بوضع العلوم النظرية؟ إن هذا ما نريد أن ننتقل إليه الآن للنظر فيه.
(3) العلوم العملية:
إذا كانت الغاية من العلوم النظرية هي حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات في سبيل حصول رأي بصددها فحسب فإن الغاية من العلوم العملية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى استخدام هذا الرأي في عمل يتصف بالخير. فالغاية من العلوم النظرية هي اكتساب الحق، في حين أن الغاية من العلوم العملية هي تحصيل الخير. والمرء في العلوم النظرية لا يتجاوز العلم إلى العمل، في حين أنه لابد له في العلوم العملية من تجاوز العلم إلى العمل (27) . وهذه العلوم أربعة:
آ ـ علم الأخلاق:
وهو العلم الذي يعلم المرء به كيف يجب أن يكون هو نفسه، وكيف يجب أن تكون أحواله التي تخصه، حتى يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة (28) . إذ من فوائد هذا العلم، أنه يعلم أمهات الفضائل، ويدل على السبل التي ينبغي أن تسلك لاقتنائها، فتزكو النفس بها، كما أنه يعلم الرذائل، ويدل على مسالكها التي ينبغي توقيها والابتعاد عنها، حتى تظل النفس طاهرة نقية (29) .
ولكن الأخلاق مرتبطة بالأوضاع الشرعية والسنن الإلهية والتعبدات البدنية، في سبيل تطرية الزينة في النفس، والفكرة في الملك الأول وملكه. (30) .
وكل ذلك مرتبط بإدراكها المعقولات، وبلوغ العدالة، بتوسط النفس بين الأخلاق المتضادة، وحصول السعادة من جراء ذلك (31) . وعندئذٍ يذعن البدن للنفس، ويسلس قياده لها. وذلك لأن سعادة النفس في كمال ذاتها ـ من الجهة التي تخصها ـ هي صيرورتها عالمًا عقليًا، وسعادتها ـ من جهة العلاقة التي بينها وبين البدن ـ هي أن تكون لها الهيئة الاستعلائية (32) .