فهرس الكتاب

الصفحة 1448 من 23694

يطلق ابن سينا على هذا العلم، اسم"الفلسفة الأولى"، ويجعل موضوعه أمورًا ومعاني قد تخالط المادة وربما لا تخالطها، فتكون في جملة ما يخالط، وفي جملة ما لا يخالط، مثل الوحدة والكثرة، مثل الكلي والجزئي، مثل العلة والمعلول (23) . وهذه أمور يستغني وجودها عن مخالطة التغير أصلًا، وإذا خالطها كانت مخالطته بالعرض، لأن ذاته مفتقرة في تحقيق الوجود إليه (24) .

ومعنى هذا، أن موضوعات هذا العلم هي معان عقلية مجردة لا يخالطها التغير مادامت كذلك، وهذه حقيقتها الجوهرية. بيد أنه من الممكن لها أن تخالط المادة حينما تتحقق في بعض الموجودات. وعندئذٍ تتحقق في الوجود، وتصبح خاضعة للتغير، شأنها في ذلك شأن كل وجود متحقق. وهذه أعراض تطرأ عليها، دون أن تغير من طبيعتها الجوهرية، إذ أن طبيعتها أن تبقى معاني مجردة، وهي بما هي كذلك ثانية لا تتغير.

ويمكننا أن نقسم هذا العلم إلى قسمين:

1)ـ قسم يتعلق بالنظر في معرفة المعاني العامة لجميع الموجودات، مثل الهوية و الوحدة والكثرة، مثل الوفاق والخلاف والتضاد، مثل القوة والفعل، مثل العلة والمعلول.

2)ـ قسم يتعلق بالنظر في الأصول والمبادئ التي ترتكز إليها بعض العلوم، مثل علم الطبيعيين وعلم الرياضيين وعلم المنطق، ومناقضة الآراء الفاسدة فيها (25) . وهذا يعني، أن أهمية هذا العلم لا تقتصر على المعاني العامة لجميع الموجودات، بل تتجاوزها إلىجانب هام يجعل الفلسفة الأولى علمًا تقوم عليه العلوم الجزئية، وتستمد قوتها منه، إنه بهذه النظرة يصبح الأساس الذي لا يمكنها أن تستغني عنه، لأنها تستمد أصولها ومبادئها منه.

وبهذا الصدد يقول ابن سينا:"كل واحد من العلوم الجزئية ـ وهي المتعلقة ببعض من الأمور والموجودات ـ يفتقر المتعلم فيه، إلى أن يتعلم أصولًا ومبادئ تتبرهن في غيرعلمه، مستعملة على سبيل الأمور الموضوعة، والطبيعي علم جزئي، وله أصول موضوعة فنعدها عدًا ونبرهن عليها في الحكمة الأولى (26) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت