وتتضح المواقف حين يدعو أسال حيًّا لزيارة الجزيرة المنحدر منها والتي على رأسها صديقه سلامان. وهناك يشرع حي في محاولة تعليم"الجمهور المؤمن"مبادئ المعرفة"الحقة"وأسرارها. ولكنه يفاجأ بإعراضهم عنه ومعهم كذلك سلامان نفسه، رئيس الجزيرة. ويقرر حي العودة إلى جزيرته ومعه صديقه الجديد أسال. ويتم ذلك، حيث يمكث الصديقان المتوافقان في الرأي يتعبدان"على طريقتهما الخاصة وتوجههما الفكري الخاص". وبذلك، تكون الخاتمة حاسمة بالنسبة إلى الجمهور الذي يرفض"التأويل"وبالنسبة إلى حي وأسال الآخذيْن به.
إن ذلك يحمل دلالات مركّزة على الموقف من الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) عند ابن طفيل. فهو يحسم أمره لصالح الأولى، تاركًا الثانية للجمهور. وينبغي الانتباه إلى أن هذا الموقف لا يحمل بالضرورة رؤية سوسيولوجية تحقيرية للجمهور، بقدر ما يمكن أن يكون دالاّ على الجهود الحثيثة لمنح الحكمة- الفلسفة مشروعيتها في فضاء إيديولوجي مقصور، عمومًا، على الدين. ولذا، فربما أراد ابن طفيل أن يحيّد"الجمهور المؤمن"في الموقف فيخرجه من دائرة سلطة الفقهاء والسلطة السياسية المهيمنة، على حد سواء.
إن الموقف من العلاقة بين الفلسفة والدين لدى ابن طفيل لعله يؤكد على ما أيتنا عليه في موضع سابق من أن نص ابن طفيل الفلسفي، إذ لم تتح له إمكانية التكون على نحو منبسط ومفتوح ومعلن، فقد سلك مسلك التقية والترميز، الذي إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن"شيئًا ما"أراد ألا يصرح به، وهو ما يدخل في تناقض مع المسموح به. وهذا ما يدعم القول بالخصوصية الأولى للفلسفة العربية الإسلامية، وهي تلك التي أشرنا إليها بوصفها اللَّف على الموقف الإيديولوجي المهيمن وليس مواجهته كما هو هو، كسبيل لانتزاع الإقرار بالفلسفة وبحدّ ما من استقلاليتها عن الأنساق المعرفية الأخرى، وعن ذلك الموقف الإيديولوجي تحديدًا.