ولعلنا نتعمق أكثر في النظرية المعرفية الابن طفيلية، إذا وضعنا نتائجها في السياقات التي تحققت فيها، وهي الاجتماعي والتاريخي والتراثي. أما ما يتعلق بسياقها الاجتماعي، فيلاحظ أن ابن طفيل أراد لشخوص قصته ان تتحرك فيما يبدو أنه موقف عداء أو رفض للعلاقات الاجتماعية عمومًا ( وهو كناية مضمّنة على الحصار الذي كان يعيشه في مجتمعه بالرغم من منصبه في القصر) . فإذا أريد لـ"حي"أن ينشأ في عالم طبيعي لا اجتماعي، فإن المقصود من ذلك لم يكن رفض المجتمع عامة، بقدر ما كان تعبيرًا عن رفض لنمط معين من المجتمع ( هو الذي عاش فيه) أولًا ، وعن الاشارة إلى امكانية اكتفاء البشرية بما تحققه من معارف وضعية ثانيًا. وهذا ما أشار إليه بحق جميل صليبا وكامل عياد في مقدمة لقصة"حي بن يقظان".
وتبرز أهمية ما أنجزه"حي"من تحصيل للمعرفة، حيث نضعه في سياقه من تاريخية المعرفة وجدليتها. فلقد نما"حي"في إطار صيرورة تاريخية حقق فيها تقدمًا متصاعدًا عبر تماسّه العميعق مع محيطه وبواسطة ما انتجه من آلات مادية. وبهذا ، تمت عملية أنسنة محيطه، وإعادة بنائه من موقع الانسان: إن جدلية الذات والموضوع تبرز هنا بمثابة ضابط بشري تاريخي لعملية الأنسنة تلك . ومن ثم، فإن ظهور حي بمظهر من يبدأ من"صفر لاتاريخي ولا اجتماعي"هو، كما اشرنا، تعبير عن رفض خفي للمجتمع في حينه وفي قمته السلطوية والفقهية خصوصًا، إضافة إلى كونه تعبيرًا عن رفض"التقليد- النقل"كمصدر للمعرفة.