فهرس الكتاب

الصفحة 14485 من 23694

وعلى هذه الطريق، تمكن حي من تحقيق معرفته الحسية بمحيطه الطبيعي، لينطلق منها باتجاه نمط آخر من المعرفة أكثر عمقًا وشمولًا هو المعرفة العقلية. وإذا كانت المعرفة الأولى ذات بعد جزئي مشخص، فإن المعرفة الأخرى تتحدد بكونها مجرّدة وتنحو نحو العموم والشمول. ومن ثم، فهي ( أي الأخيرة) أكثر إحاطة وجوهرية بحيث تعتبر طريقًا إلى المعرفة العلمية والفلسفية. بيد أن ابن طفيل يصل، على يدي بطله حي، إلى نمط آخر من المعرفة، قد يكون جماع القول في نمطي المعرفة السابقين وفي إجمالي المعرفة عامة، وهو ماقد ندعوه بـ"المعرفة الروحية". وربما كانت هذه الأخيرة، لدى فيلسوفنا، شكلًا من اشكال الشعور بالاندماج الروحي ( العاطفي النفسي) ، هذا الاندماج الذي يكتسب طابعًا وجْديًّا كونيًا . وبذلك ، يتضح نوع من التواشج الجدلي بين تلك المستويات الثلاثة من المعرفة انطلاقًا من أنها جميعًا"معرفة بالوجود المعطى".

وهاهنا، تبرز واحدة من سمات نظرية المعرفة لدى ابن طفيل، وهي انطلاقها من موقع"اسمي Nominalism"مخالف ومناوئ لـ"الواقعية Realisme"من حيث الأساس الابيسيتمولوجي. فالمفاهيم والمقولات والفرضيات والمبادئ إنْ هي- بحسب ذلك- إلا"اسماء"لاوجود لها إلا عبر مسمّياتها (الأشياء والعلاقات الطبيعية) . ذلك ان الواقعية ترى في تلك الاسماء موجودات جوهرية في ذاتها ناحيةً في ذلك نحو المثالية الأفلاطونية. في هذه المسألة، يدلّل ابن طفيل على ادراك"واقعي"- هنا يمعنى مادي- بالأشياء والعلاقات الطبيعية كما بما يعبر عنها من"أسماء- مقولات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت