ان ذلك يظهر بوضوح في مسألتي المعرفة والعلاقة بين الفلسفة والدين. فعلى صعيد المسألة الأولى، تواجهنا إشكالية"مصدر المعرفة"، تلك الاشكالية التي تفصح عن نفسها بصيغة السؤال التالي: ماهو مصدر المعرفة، التي تفضي إلى"الحقيقة"، العالم الطبيعي أم العالم"الماورائي- الالهي"؟ ويلحق بذلك سؤال آخر متمم، هو التالي: هل من مسوَّغ للحديث عن مصدر للمعرفة وموضوع لها في تركيب وجودي ( انطولوجي) من نمط"العالم الالهي"أو"الاله العالمي"؟ هاهنا، نلاحظ تقاطعًا في الخطوط بين المسألة المعرفية والمسألة الوجودية ( الانطولوجية) ! مما يشير إلى استحالة القيام بفصل قطعي بين كلتا المسألتين في الإطار الابن طفيلي.
بيد أن تناول المسألة المعرفية من مدخل آخر غير ذاك الوجودي، قد يضع يدنا على اللحظة التي ترجح هذا أو ذاك من الاطروحتين أو ذلك من الاطروحة التركيبية الثالثة. أما المدخل الذي نعنيه فيتمثل في تحديد ثلاثة أمور هي الأدوات المقولاتية والمفاهيمية المستخدمة في انتاج المعرفة أولًا، ومستويات المعرفة القابلة للتحقق ثانيًا، والسياق أو السياقات التي تتحقق المعرفة فيها ثالثًا.
ان قصة حي بن يقظان تضع يدنا على مجموعة من المقولات والمفاهيم التي تتم المعرفة بواسطتها ، وتحقق تراكمًا يجعل من تاريخ المعرفة أمرًا ممكنًا. من ذلك تبرز"الملاحظة"و"التأمل"والتساؤل"و"المقارنة- الموازنة"و"التجربة"و"الفرضية المضمرة". وجدير بالاهتمام العميق أن الشخصية الرئيسة في القصة ، وهي"حي"حققت من ضروب المعرفة ما اتاح لها انتاج علاقات متنامية مع المحيط الطبيعي بمساعدة آخذة في التقدم من"الآلات المادية"."