فهرس الكتاب

الصفحة 14303 من 23694

إن الوعي الإنساني قديم جدًا ، ووجودنا ليس منقطعًا عن وجود من سبقنا على محور التطور البشري ، ولكي تتحقق هذه الرؤية التاريخية للوعي ، ونتعمق فهم أنفسنا وواقعنا وتاريخ تجربتنا لابد أن تكون لدينا القدرة على الإحساس بكلية التجربة الإنسانية . إن التلميذ وهو في الثانوية العامة لابد له أن يتذكر أنه قد بدأ تجربته اللغوية منذ امتلاك الأحرف الهجائية تصويتًا ورسمًا، وأن هذه الأحرف ستبقى الركيزة ، والإناء لكل معارفه اللاحقة .

إن الأساطير ، وبقايا رموزها ، ليست كالأحرف تمامًا ، ولكنها، في حالتها المعرفية الأولى ، هي الركيزة البدئية في تاريخ الوعي الإنساني لكل المعارف التي تلت،وهذه الركائز هي جزء من اللغة والسلوك الرمزي العام، الذي يتميز به الإنسان عن الحيوان ، وبه تتجدد إنسانيته . لكن العهد اليوم قد أوغل في البعد عن هذه الركائز البدئية ، ولهذا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي بقي من الأساطير ورموزها في عصر يغزو فيه الإنسان الفضاء؟

إن العقل العلمي الحديث قد اتخذ نهجًا معرفيًا بعيدًا عن الفكر الأسطوري ، ولكن إذا توجهنا إلى حدود التقاليد والأعراف والمأثورات والطقوس فإننا سنجد فيها بقايا رموز وممارسات لايمكن إلا أن نردّها إلى منابعها الأولى الأسطورية.

لاشك أن القرآن الكريم بِخِطابِهِ المباشر للعقل ، بما جاء فيه من آيات عديدة ( لقوم يعقلون، أفلا تعقلون ، لقوم يتفكرون ، لقوم يعلمون....) وضع الأسس المعرفية الضرورية للانصراف عن التفكير الأسطوري إلى اعتماد العقل في النظر والتبصر: ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف سطحت) ، وأشار في أَكثر من موضع إلى الفرق بين ماجاء به من فكر عقلاني قائم على البيّنات ، وبين ما كان سائدًا من قبل من فكر أسطوري مستعملًا كلمة"أساطير"بمعناها العلمي الذي نَستعمله اليوم"إن هذا إلا أساطير الأولين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت