اعلم أن الله تعالى لما أراد من النفس المؤمنة أن تسافر إليه اشتراها من إخوتها الأمّارة واللوامة بثمن بخس من عَرَض العاجلة وحال بينها وبين العقل الذي هو أبوها فبقي العقل حزينًا لا تفتر له دمعة.. فإن الإلهام الإلهي والإمداد الربانيّ إنما كان لهذه النفس وكان العقل يتنزه في الحضرة الإلهية بوجود هذه النفس، فلمّا حيل بينه وبينها لم يزل يبكي حتى كفّ بصره، وذلك أنّ البصر وإن لم يكن مكفوفًا صاحبه فإن الظلمة إذا تكاثفت وحجبت المبصرات صار صاحب البصر أعمى وإن كان البصر موجودًا يبصر به الظلمة، ولما كان الحزن نارًا، والنار تعطي الضوء لذلك قيل ( وابيضت عيناه من الحزن) (31) ، فجاء بالبياض، فإن البياض لون جسماني كما أنّ الضوء نور روحاني (32) .