وهكذا تحوّلت قصة يوسف على يد الشيخ الأكبر إلى ما يشبه الترجمة الفلسفية، أو لنقل ترجمةً للروح المعتملة في سيرها نحو الملأ الأعلى وفي صراعها ضد الشهوات، أما امرأة العزيز"زليخا"فقد تحوّلت بالتأويل إلى النفس الكلية التي تهب نفسها ليوسف، وتمكنه من رؤية النفوس الجزئية وهن"نسوة في المدينة"خارجًا عنها..ولما همّ بها- أي بالنفس الكليّة ليأخذ منها ما أودع الله من الحقائق فيها من غير أمر إلهيّ له بذلك غار الحق أن يتصرف عبده في شيء من غير أمره، فأظهر له في سره برهان عبوديته، فتذكر عبوديته فامتنع من التصرف بغير أمر سيده فحبسته النفس في سجن هيكله، فلم يزل يناجي في سره سيده بالعبودية حتى أقرّت النفس أنها الطالبة لاهو، فأثبت له السيد الحفظ والأمانة، ولو همّ بسوءٍ لم يكن أمينًا، ولوفعل لم يكن حفيظًا، ولهذا قال: ( لنصرف عنه السوء والفحشاء) (33) فولاّه الملك والسيادة بدلًا من العبودية الكونية الظاهرة التي كان فيها قبل ذلك، ثم أجدب محل العقل الذي هو الأب وسمع بالرخاء الذي في مدينة ابنه وهو لا يعلم أنه ابنه لأنه أعمى، فبعث إليه بالرحم لينيله شيئًا مما أُمن عليه فبعث إليه بثوبه الذي فيه رائحته وهو على صورته، فلما استنشق الرائحة وألقاه على وجهه أبصر قميصه فأخذ في الرحلة إليه ابتداءً في عزّ يناقض سفر ابنه.. فلما دخل عليه سجد لأنه معلمه الذي يهبه من الله ما تقوم به ذاته ويتنعم به وجوده... (34) .