ولا نعدم في تأويلات الصوفية سبحات ربانية ونفحات أدبية لا تضيع فيها فكرة الصوفي لكنها تتجلى في نَفَس أدبيّ باستخدام عبارات لطيفة واستجلاب أبيات رقيقة مما ألِف الأدباء قولَه وإنشادَه، ولكنها تُنقل من سياقها إلى عُرْف القوم في فهمهم للنص بعد تأويله والارتفاع به من حضيض الفهم الظاهري إلى يفاع الفهم الصوفي اللائق بالخواص الذين يغوصون في النص على مقاصده العليا غير منكرين ولا جاحدين تفسيره الأول اللائق بالعوام، ومن أمثلة هذا الاستطراد الأدبي في تأويل النص ما أدّاه إلينا الإمام القشيري في تأويل قوله تعالى (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون) 26).
ففي الظاهر: عن الفراش قيامًا بحقّ العبادة والجهد والتهجد.
وفي الباطن: تتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال ، ورؤية قدر النفس وتوهّم المقام، فإن ذلك بجملته حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سمّ قاتل، فلا يساكنون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم ويفارقون مآلفهم ويهجرون في الله معارفهم..
ويستطرد القشيري:
والليل زمان الأحباب، قال تعالى ( لتسكنوا فيه) (27) ، يعني عن كل شغل وحديث سوى حديث محبوبكم، والنهار زمانه أهل الدنيا، قال تعالى: (وجعلنا النهار معاشا) (28) ، أولئك قال لهم: ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) (29) ،: إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة، فعودوا إلى متجركم واشتغلوا بحرفتكم..
وأما الأحباب فالليل لهم إما في طرب التلاقي، وإما في حرب الفراق، فإن كانوا في ليل القربة فليلهم أقصر من لحظة كما قالوا: ( من الخفيف)
زارني مَنْ هويت بعد بعاد
ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قِصرًا وهْيَ ليلة الميعاد
وكما قالوا: ( من الرجز) ... قابلت فيها بدْرَها ببدر
وليلةٍ زينُ ليالي الدهر
لم تستبن عن شفقٍ وفجر ... حتّى تولّت وهي بكْر الدهر
وأما إن كان الوقت وقت مقاساة فرقة وانفراد بكربة فَلَيْلهم طويل كما قالوا: ( من المنسرح) ... أفنيتُها قابضًا على كبدي