فهرس الكتاب

الصفحة 14291 من 23694

ومن طرائف التأويل تأويل تابوت موسى، فقد مرّ به القشيري مرور الكرام (20) ، لكن الشيخ الأكبر جعل من التابوت ناسوتًا لموسى، ومن اليمّ ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مماأعطته القوة النظرية الفكرية والقوى الحسية والخيالية التي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود هذا الجسم العنصريّ، فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأمرت بالتصرف فيه وتدبيره جعل الله لها هذه القوى آلات يتوصّل بها إلى ما أراده الله منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الربّ ، فرُمي به في اليمّ ليحصل بهذه القوى على فنون العلم فأعلمه بذلك أنه وإن كان الروحَ المدبّر له هو الملَك، فإنه لا يدبره إلا به، فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت الذي يعبّر عنه بالتابوت في باب الإشارات والحكم (21) ، وكانت صورة إلقاء موسى في التابوت وإلقاء التابوت في اليمّ صورةَ هلاكٍ لموسى، ولكنها كانت في الباطن صورة نجاة له من القتل فحيي كماتحيا النفوس بالعلم من موت الجهل (22) . ومن الاستطراد من تأويل إلىتأويل في سياقات تبدو في الظاهر متفاوتة متخالفة وهي في الباطن متحدة يصل الشيخ الأكبر إلى نظريته في أحدية الكثرة، فمن كان ميتًا بالجهل أحياه الله بالعلم وجعل له نورًا يمشي به في الناس وهو الهدى، فهذا ليس كمن كان في الظلمات أي الضلال، ليس بخارج منها فلا يهتدي أبدًا.. ويعلق الشيخ:"فالهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة، فيعلم أنّ الأمر حيرة، والحيرة قلق وحركة، والحركة حياة، فلا سكون فلا موت، ووجود، فلا عدم.."ويتصل هذا على سبيل التداعي بقوله تعالى ( وترى الأرض هامدة،فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت