أبرز ما يلاحظ في هذه الأقوال من خلال عرض قضية كبرى واحدة هو العقل النيّر، وهذا العمق في التحقيق والتوثيق مما عُرفَ به الإمام الطبريّ، يضاف إلى ذلك بيان وجهة نظره في التعليق ومناقشة كَلّ رأي من آراء العلماء والفقهاء الذين كان يستشهد بهم أو يُورد آراءهم موافقة أو مخالفة، وما كان عليه الإجماع عند الفقهاء، وعدم الإجماع عند بعضهم الآخر.
ويختتم ذلك ببيان قوله الفصل بصيغة المتكلم أو الجمع، ومن هنا تكمن عبقرية الطبري الفقهية، وأهمية القضايا الاجتماعية المدروسة، وبيان مضمونها، والرأي الفصل فيها.
كما لا حظنا من خلال ذلك كله أهمية هذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية من منظور الشريعة والفقه، وهي شغل العالم الشاغل في العصر الحاضر.
إن هذه القضية الكبرى تهمّ الناس جميعًا في كل زمان ومكان، ولدى سائر الأمم والشعوب في العالم كلّه، وقد خصّ المذاهب كلها من المسلمين وغيرهم .
منهج الطبري في الاختلاف
اعتمد الطبريّ في هذا الموضوع الهام على عقل ثاقب رشيد، ومنهج علميّ سديد، يمكن أن ندعوه بـ (المنهج الطبريّ) ، فاختار الأعلام من الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب، أو التفرّد في بعض الآراء، ممن كانوا في نظره موثّقين إمامة واجتهادًا و رواية ودراية، وقد أوردنا ذكرهم من قبل اعتمادًا على ما أورده ياقوت، وقد استثنى منهم الإمام أحمد بن حنبل، ذلك لأنه لم يطّلع على آراء له في الاختلاف، ولم يعرف من أصحابه من يعوّل عليه ،ذلك لأنه في نظره، لا يعدو كونه أحد المحدثين الأعلام، وربما كان غير مطمئن إلى آرائه في الاختلاف، ومن الطبيعي أن يبعده من الاستشهاد به في كتابه هذا، وتلك هي حرية كل عالم يختار ما يوافقه رأيًا واتجاهًا، ورأيه فيهم معروف كما رأينا .