قال لي شيخنا ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب رحمه الله: جرت عادة من لقيت من الأشياخ: أن يقدموا بين يدي المتعلمين مقدمة يذكرون فيها أصل علم الطب، وإظهار شرفه، ووجه الحاجة إليه، ونبدأ من وصايا أبقراط، والأشياء التي يحتاج إليها من يقصد تعلم صناعة الطب في هذا الكتاب المقروء.
فقفوت أثرهم، وسلكت طريقهم، واتبعت سيرتهم، لتكون في هذا الكتاب غنية للمبتدئين، لاسيما لمن لم يجد أحدًا من الأشياخ المعلمين، ومنبهة للأشياخ المبرزين"."
وهنا بدأ المؤلف في عرض تفاصيل المقدمة المنوه بها، حتى انتهى إلى وصايا أبقراط للأطباء (53) ، فقدم نبذًا منها هكذا:
"قال أبقراط: يجب أن يكون الطبيب عارفًا بالله، خائفًا منه، معتقدًا أمر المعاد والثواب والعقاب، حتى يكون إيمانه بالله وبالمعاد داعيًا لأفعال الخير، وناهيًا عن أفعال الشر، إذ هو متصرف في الأرواح، فإن لم يكن كذلك لم يجز الاعتماد عليه.".
ومنها:"أن يجتهد في مداواة المرضى، ويحسن تدبيرهم بالأغذية والأدوية، ولا يكون غرضه في مداواتهم طلب المال لكن طلب الثواب، وإن أمكنه أن يتخذ لهم الأدوية من ماله فعل، وإن عجز عن ذلك وصفه لهم، وراعاهم غدوة وعشية، لاسيما إن كان المرض حادًا، لأن المرض الحاد سريع التغير من حال إلى حال".
ومنها:"يجب أن يكون الطبيب لطيف الكلام، طلق الوجه، حسن الخلق، غيرمتكبر على الفقراء: يسمع كلامهم، ولا يفرق في المداواة بين الغني والفقير، وحريصًا على مداواة الجميع.".
ومنها:"يجب على الطبيب أن لا يأنف من المشورة وأخذ رأي من هو أعلم منه، وأن لا يفشي سر المريض لأحد: لا قريب ولا بعيد، وأن لا يصف لأحد دواء قتالًا ولا مسقطًا للأجنة، ويحترز ممن يتلبس عليه في ذلك.".
ومنها:"يجب على الطبيب أن لا يبخل على من أراد تعلم الصناعة من المستحقين لها، ولا يطلب منهم الجزاء على تعليمه.".