ومنها:"يجب على الأطباء أن يحمدوا معلميهم كما علموهم، ويشكروهم على ما أفادوهم من العلم، ويكثروا برهم كما يكثروا بر آبائهم بسبب كونهم، فكذلك المعلمون كانوا سبب شرفهم، فمتى كان الطبيب على هذه السيرة حصل له الذكر الجميل في الدنيا، ولا يعدم ـ مع ذلك ـ المنفعة والثواب الجزيل في الآخرة.".
وبعد هذه النبذ من وصايا أبقراط، يتابع المؤلف عرضه لبقية موضوعات المقدمة، فيصل به المطاف إلى ذكر الطرق التعليمية التي يستخدمها الأطباء حسب هذه الفقرة:
".... وأما نوع التعليم المستعمل فيه فهي الخمسة المذكورة بعد: وذلك أن أنحاء التعاليم والطرق التي يسلك إليها في وضع الكتب هي خمسة:"
أحدها طريق التحليل بالعكس:وهو أن تنظر إلى الشيء الذي تريد عمله فتضعه في وهمك من أوله إلى آخره، راجعًا بالعكس إلى أن تنتهي إلى أوله، مثل أن تقول الإنسان ينحل إلى الأعضاء الآلية، والأعضاء الآلية تنحل إلى الأعضاء المشافهة، والأعضاء المشافهة تنحل إلى الأخلاط، والأخلاط تنحل إلى النبات الذي هو الغذاء، والنبات ينحل إلى الاسطقسات، وهذا التعليم استعمله جالينوس في"حيلة البرء"، وفي كتاب العلل والأعراض، وفي كتابه المسمى"بالأعضاء الآلية".
وثانيها التركيب: وهو عكس ما تقدم، واستعمله جالينوس في"كتاب الاسطقسات والمزاج"، وفي"كتاب القوى الطبيعية".
وثالثها طريق القسمة: وهو أن تبتدئ بالتقسيم من أعم الأشياء إلى أن تنتهي إلى أخص الخواص، وهو المستعمل ها هنا، وهو الذي استعمله علي بن العباس في المستعيني.
ورابعها طريق الحد، ولا يستعمل إلا عند قصد الإيجاز والاختصار، وهو الذي استعمل جالينوس في"الصناعة الصغيرة".
وخامسها طريق الرسم والصفة.
وفي الحقيقة إنما هي أنحاء التعليم ثلاثة: التحليل والتركيب والقسمة، وأما الحد والرسم فليسا من أنحاء التعليم، وإنما هي علوم منطقية". (54) ."
يتبع