"ففي الجزء الأعظم من إسبانية العربية تشكلّت تدريجيًّا حضارة إسبانية عربية متجانسة، انتشرت بمرور الزمن في المناطق الشمالية الغربية وطغت على الحضارة المحلية. ويبدو أنّ المسيحيين في المناطق الإسلامية كانوا على حدّ سواء يعرفون اللغة العربية، رغم استعمالهم في الحياة اليومية للّهجة الرومانسية ( الأعجمية ) التي تتضمّن مفردات عربية. وفي فترة الحكم الإسلامي استوعب المسيحيون استيعابًا تامًا حضارة الأمة الحاكمة ( في كل جوانبها عدا الدين ) حتى سمّوا MOZARABS أي"المستعربين"، وحتى بعد استرداد المسيحيين ثانية للأندلس فقد رأت الكنيسة نفسها مجبرة على أن تترجم الإنجيل لهؤلاء المسيحيين، بعد تحررهم، إلى اللغة العربية". (9)
في الشرق كان صوت العربية أبعد أثرًا في القلوب والعقول التي اعتنقت الإسلام، وكان للعربية منزلة الصدارة لغةً للدين وللعلم وللحكم، وأمامها بدأت اللغات المحلية تنحسر، ولعل أبرز مثال على ذلك اللغة الفارسية التي قلّ شأنها في المحافل الدينية والعلمية، وتحوّلت إلى أداة للحوار، أو إلى لغة للحياة اليومية في منأى عن الموضوعات العلمية أو الأدبية أو الفكرية الجادة. وامتد تأثير العربية إلى اللغة الأوردية والتركية، وإلى لغات البلقان المختلفة، منذ زمن الخلفاء الراشدين. وفي مرحلة ثانية حمل الأتراك مزيدًا من أثر العربية إلى البلقان، في ما يشبه دور الوسيط.
وبقيت تركيا تكتب بالحروف العربية حتى العشرينات من هذا القرن حين أحلّ"أتاتورك"الحروف اللاتينية محلها. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا ما أخذته لغات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي التي اعتنقت الإسلام من ألفاظ عربية تتصل بشؤؤون العبادة والعقيدة والمصطلحات الإسلامية الشرعية والفقهية والاجتماعية.