ولقد كان من مظاهر عالمية اللغة العربية وآثارها الحضارية إتقانُ كثير من غير العرب لها وإن لم يدخلوا الإسلام، أو يكونوا ذوي وظائف في ظل الحكم العربي، إنما كان تعلّمهم العربيّة لأغراض علمية خالصة، وكان إعجابًا صريحًا بالشخصية العربية وبما تحمله من القيم والمناقب والنُّبل والفروسية.. بعض هؤلاء راح يقلّد العرب في طرائق حياتهم، وبعضهم راح يُسمّي أبناءه بأسماءٍ عربية، وبعضهم راح ينظم الشعر بالعربية، بل عكف بعضهم على تعلم العربية وأهمل لغته الأصلية، لغةَ دينه وقوميته، ويُذكَر هنا أن أسقف قرطبة كتب مرّة يقول:
"كثيرون من أبناء ديني يقرؤون أشعار العرب وأساطيرهم، ويدرسون ما كتبه علماء الدين وفلاسفة المسلمين، لا ليخرجوا عن دينهم، وإنما ليتعلموا كيف يكتبون اللغة العربية مستخدمين الأساليب البلاغة. أين نجد اليوم مسيحّيًا عاديًا يقرأ النصوص المقدسة باللغة اللاتينية؟ إن كلّ الشباب النابه منصرف الآن إلى تعلم اللغة والأدب العربيين، فهم يقرؤون ويدرسون بحماسة بالغة الكتّب العربية، ويدفعون أموالهم في اقتناء المكتبات ويتحدّثون في كل مكان بأن الأدب العربي جدير بالدراسة والاهتمام. وإذا حدَّثهم أحد عن الكتب المسيحية أجابوه بلا اكتراث: ( بأنّ هذه الكتب تافهة لا تستحق اهتمامهم ) . يا للهول! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم، ولن تجد بين الألف منهم واحدًا يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية، بينما تجد بينهم عددًا كبيرًا لا يحصى يتكلّم العربية بطلاقة ويقرض الشعر أحسن من العرب أنفسهم". (8)
هكذا إذن استهوت العربية أولئك الشباب بجمالها الذي يتجلّى في الشعر، ولا سيما في الموشحات الأندلسية وشعر"التروبادور"، ويبدو أن اللغة اللاتينية لم تكن تتحلّى بمثل هذه الفنيّة والعذوبة.. يقول مونتغمري واط: