وكان حظ العربية أقوى لأنها لغة الأمة الواحدة الغالبة، على حين كان المغلوبون أممًاشتى وعروقًا ولغاتٍ أواصرها أقلُّ إحكامًا وتماسكًا وتجانسًا، فكان اختيار العربية عند جُلّهم هو الأنسب والأسلم، وكذا كان الدين الإسلامي، وكلُّ منهما يكّمّل الآخر، مما يجعل الاتجاه إليها طريق الخلاص السياسي والروحي..
العربيّة واللغات الأخرى:
يمكن القول إنه بعد فجر الإسلام، وفي ظل المجتمع الأموي كانت بعض اللغات ما تزال حية مستعملة بألسنة متكلّميها الأصليين، وتحت راية الحكم العربي. كانت القبطية منتشرة في مصر، وبقايا الآرامية في بلاد الشام وبعض العراق، ولهجات إيرانية مختلفة كانت تسود بلاد فارس، وكان للبربرية وجود مماثل في المغرب العربي، كما كان لِلاتينية في إسبانية.. ولكنّ هذه اللغات كانت تنحسر شيئًا فشيئًا أمام عربية القرآن، أو عربية الحكم"الرسمي"، وإن لم تَحُلْ دون نشوء لغة للتفاهم بين العرب وغيرهم من الأعاجم، وهي التي فتحت الباب لتسرّب الدخيل اللغوي إلى الجهتين، كما أدّت إلى ما سماه علماء العربية باللحن وبفساد الألسنة.. وربما كان هذا من أقوى الأسباب التي عجّلت بنشوء علم النحو عند العرب.
ولم يكن انتشار العربية خارج حدودها حدثًا تقليديًا عابرًا، أو امتدادًا لونيًا سكونيًا وقف عند حدود مرسومة، وإنما كان انتشارًا يحمل رسالة ويؤسس لحضارة عريقة تستوعب كلّ مناحي الحياة. تقول زيغريد هونكه في ذلك:
"وهكذا تحوّلت لغةٌ قبليةٌٌ في خلال مئة عام إلى لغة عالمية. ليست اللغة ثوبًا نرتديه اليوم لنخلعه غدًا. لقد وَجَدتْ اللغة العربية تجاوبًا من الجماعات وامتزحت بهم، وطبعتهم بطابعها، فكوّنت تفكيرهم ومدارِكهم، وشكلّت قَيَمهم وثقافتَهم، وطبعت حياتهم المادية والعقلية فأعطت للأجناس المختلفة في القارّات الثلاث وجهًا واحدًا مميّزًا". (7)