3-ومما وطّد دعائم العربية ومكانتها في الأمصار دخول الأعاجم في الإسلام، وحركة السبي التي أدّت إلى الولاء ونشأةِ طبقة الموالي، والتبنّي، وزواج المسلمين بالكِتابيات، والتعامل الاجتماعي، والرقيق الذي كانت له تجارة واسعة، وكان أمرًا مألوفًا بين مصر وبلاد النَّوبة وبرقة وغيرها، ولم يستطع الإسلام أن يجد غير ذلك ليصالح عليه. وكان السبي والرقيق يتفرّق في البيوتات الإسلامية، في مصر وفي الحجاز، وكان يكون منه الجواري والإماء، والغِلمان والعبيد، وكان يصطبغ كله بصِبْغة الحياة العربية واللسان العربي، ويكون له فيما بعد أثره في الجيل التالي.. (6) كل هذه العناصر البشرية المتنوّعة الطامح بعضها إلى الاشتغال بوظائف، أو احتلال مناصب في الدولة- أثرت تاثيرًا فعالًا في نشر العربية وزيادة عدد المتكلمين بها والساعين إلى تعلّمها. وقوّى هذا انتهاج العرب مبدأ العدالة في التعامل مع الشعوب المغلوبة بعقد عقود الصلح، وكَتْبِ كتُب الأمان والإبقاء على حريّة المعتقد، والإنصاف في فرض الجزية وجبايتها.. وما من شك في أن هذه المعاملات السمحة ستجعل الأعاجم يَطمئنَّون إلى الإسلام، ويميلون إلى العربية، ومن هنا لم يجد المسلمون كبير مشقّة في تمكين لغتهم من الشيوع والسيادة في سرعة لا تكاد تُصدّق.
وتلك الحركة الحيوية للبشر: عربًا حاملين العربية إلى خارج مهدها، أو عجمًا ساعين إلى اخذها من أصحابها.. هذه الحركة المتداخلة المتعاكسة بدت في تاريخ العرب المبكّر كحركة جماعات النمل غادية رائحة، فكان من جناها وثمارها هذا الانتشار في العالم، كما كان في المقابل اختبارًا لها في مقدرتها على التأثير في الناس، واستيعاب حركة الحياة والحضارة أو الصلاحِ لها بسائر أشكالها وعلى اختلاف الظروف والأقوام والأحوال والملابسات.