وتحسن الإشارة هنا إلى أن العربية لم تواكب الفتوحات أو تُرافقها زمنيًّا في دخول تلك الأصقاع، لأن انتصار اللغة وشيوعها واستقرارها قضايا تحتاج إلى وقت أطول، وإلى توافر شروط مرحلية ومحلّية وبشرية لا معدى عن وضعها في الحسبان. وأخذًا بذلك يمكن القول إن انتشار العربية خارج حدودها كان مرتبطًا بوصول العلماء إلى الأمصار المفتوحة، لا بوصول طلائع جيوش الفتح، وكان مرتبطًا أيضًا بدخول الأسلام عمليًا إليها، وبدخول أبنائها في الإسلام، أو بمشاركتهم في إدارة أمور الحكم والبلاد من قريب أو بعيد.
وفي المقابل لم يكن خروج العربية من تلك الأمصار مرافقًا لخروج العرب منها، إذ لا تطابق بين التاريخ الإسلامي وتاريخ العربية في مثل هذه الحال، وخير دليل على ذلك بقاء العربية أو آثارها اللغوية في كثير من المناطق التي فتحها العرب إلى اليوم، مع أن قرونًا طويلة مضت على خروج العرب منها كما لا يَخْفى. وتجاوزًا يمكن القول إن حركة الفتوحات العربية الإسلامية تمثّل صورة مصغّرة لأطلس جغرافي عسكري، أما الأطلس اللغوي الذي رسم استقرارُ العربية خطوطَه فيما بعد فمختلف في شكله وفي مضمونه، والذي يعنينا من ذلك هنا بداية تجربة العربية مع ما نسميه اليوم بالعالمية، فتلك التجربة لم تكن صراعًا مباشرًا ذا طرفين، وإنما كان تأثرًا و تأثيرًا، وفي بعض الأحيان والوجوه كان امتحانًا للعربية أمام تسرّب الدخيل إليها من اللغات التي اختلط متكلّموها بالعرب. ويمكن تلخيص هذه الصورة في نقاط أبرزها: