إن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به مثلما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسبًا، كالذي يؤثر من سقوط النابغة بامتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان. هذا وإنما امتدح قاهر العرب، وصاحب البؤس والنعيم. وكاشتهار عرابة الأوس بشعر الشمّاخ بن ضرار.. وقدح ذلك في مروءة الشمّاخ، وحطّ من قدره، لسقوط همته عن درجة مثله من أهل البيوتات وذوي الأقدار (19) .
ثم نصّ ابن رشيق صراحة على أن الشعر -ماكان ملتزمًا أغراضًا نبيلة، ويأرب بتحقيق وظائف جليلة -يزيد من قدر صاحبه، ولكن إذا خرج إلى أغراض السّفه، وارتكس في حمأة القول غير المسؤول حطّ من قدر قائله، ودَنّى منزلته. يقول:
«فأما من صنع الشعر فصاحة ولسنًا وافتخارًا بنفسه وحسبه وتخليدًا لمآثر قومه، ولم يصنعه رغبة ولارهبة، ولامدحًا ولاهجاء، فلانقص عليه في ذلك، بل هو زائد في أدبه، وشهادة بفضله، كما أنه نباهة في ذكر الخامل، ورفعٌ لقدر الساقط، وإنما فضّل امرؤ القيس -وهو من هو؟ -لما صنع بطبعه، وعلا بسجيته، ومن غير طمع ولاجزع (20) .
وقد جلّى القرآن الكريم بعد ذلك بأفصح بيان حال شعراء السّفه هؤلاء، وشنّع عليهم، فوصفهم بأقبح وصف في قوله عزّ وجل: (21) «والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم ترَ أنهم في كلّ واد يهيمون. وأنهم يقولون مالايفعلون» واستثنى الصالحين الذين جندوا الشعر في أغراض خيّرة، فقال: «إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا اللّه كثيرًا وانتصروا من بعد ماظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» .