وهكذا ارتبط الشعر في الجاهلية بأغراض خلقية نبيلة. وأدّى وظائف جُلى، فكان شعرًا قبليًا جماعيًا، نذر الشاعر فيه نفسه لخدمة القبيلة،والذّياد عنها، والاشادة بمآثرها وأحسابها وأفعالها المجيدة، وكان فيها معلمًا هاديًا، يبثّ القيم الفاضلة، ويشيد بالأخلاق الحميدة، التي تهذب النفس، وتسمو بالمشاعر، وتنهى عن الأفعال الدنيئة، وتنفّر منها.
وبسبب التصاقه بوجدان الجماهير، وتجنّده في خدمة قضاياهم، وتحريه الصدق، علا شأنه في العرب، وسمت منزلته، ونُظِر إلى الشاعر على أنه مصدر الحكمة والحق، حتى قال قائلهم:
«كل حكمة لم ينزل فيها كتاب، ولم يُبعث بها نبيّ، ذخرها اللّه حتى تنطق بها ألسن الشعراء» (22) .
واحتكم العرب إلى الشعر في أمور حياتهم، فكان مسموع الكلمة، نافذ الرأي، قال ابن سلام:
«كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون» (23) .
وعلى أن هذا الفن الجميل الذي تبوأ منزلة رفيعة بسبب جلال الوظائف التي أنيطت به، ماإن خرج عن هذه الوظائف الخلقية النبيلة، فجنّد في الباطل والسّفه، وروّج للفحشاء والمنكر، وصار مطية للنفاق والتكسب، وتناول الأعراض، وشّبب بالحرمات، حتى فقد مصداقيته، وسقط عنه وقاره وجلاله، وأصبح الشاعر كالبهلوان المهرج، يُضحك ويُسلّي، ولكنه لم يعد مصدر الحكمة، ولامستودع الحق والخير كما كان، فتقهقرت مكانته، وغدا الخطيب، أرفع منه شأنًا (24) .
ولعله يُتاح ان نبيّن في مقال قادم وظيفة الشعر في الاسلام، وأن نتوقف عند الأدوار الخلقية المتعددة التي راح الشعر العربي ينهض بتحقيقها، لنرى أن هذا الفن الجميل لم يكن يومًا عند العرب -لافي جاهلية ولافي اسلام -مجردًا عن الغرض، عاريًا عن الهدف، ينشد المتعة والجمال وحدهما، ولايحفل بالقيم والأفكار كما يدعي بعض الدارسين..
الحواشي:
1-المذاهب النقدية، د. ماهر حسن فهمي: 18.
2-فن الشعر، لاحسان عباس:17.