فهرس الكتاب

الصفحة 14070 من 23694

قال ابن رشيق: «وقالوا: كان الشاعر في مبتدأ الأمر أرفع منزلة من الخطيب لشدة حاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة.. فلما تكسبوا به، وجعلوه طُعمة، وتولّوا به الأعراض وتناولوها، صارت الخطابة فوقه، وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعّموا أموال الناس، وجشعوا فخشعوا، وأطمأنت بهم دار الذلة، إلا من وقّر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها..» (16)

وذكر الرازي ماآل إليه حال الشعراء، فقال: «صاروا أتباعًا بعد أن كانوا متبوعين. وسألوا بالشعر، وتملقوا للملوك والخلفاء، وتضرّعوا إلى أهل الثروة والأمراء، ونزلوا عن رتبتهم، واستهان بهم الناس، وقلّوا في أعينهم، فجروا على ذلك في صدر الاسلام وبعد ذلك برهة من الدهر، نشأ فيهم شعراء مطبوعون لهم قرائح الأولين من شعراء الجاهلية والمخضرمين، واعتادوا المثالة، وجعلوها صناعة، فلما طال ذلك عليهم ملّهم الناس، ونزرت العطايا، وماتت الخواطر، وغارت القرائح، وسقطت الهمم، وصار الشعر ضعيفًا هزلًا بعد أن كان حُكمًا مُقتدرًا...» (17) .

وقال المرزوقي في بيان تأخر رتبة الشعراء عن رتبة البلغاء، فذكر من ذلك «أنهم اتخذوا الشعر مكسبة وتجارة، وتوصّلوا به إلى الشُّوَق كما توصلوا به إلى العلية، وتعرضوا لاعراض الناس، فوصفوا اللئيم عند الطمع فيه بصفة الكريم، والكريم عند تأخر صلته بصفة اللئيم، حتى قيل: الشعر أدنى مروءة السَّريّ، وأسرى مروءة الدّنيّ..» (18) .

وذكر ابن رشيق بعض الشعراء الذين وضع الشعر من أقدارهم عندما سلكوا به مسلكًا غير نبيل، وخرجوا به عن الوظائف التي عظمته عند العرب من أجلها، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت