ويتضح مما سلف أن الشعر العربي تجددت جماليته (كما تطورت مضامينه) تجددًا ذا بال في القرن الثاني الهجري بحسب الأوضاع الطارئة والحاجات الجديدة (36) بيد أن المحافظة على وجوه القديم في الشعر العربي ظلت قائمة في القرن الثاني الهجري (مروان بن أبي حفصة العتابي، يزيد بن ضبّة...) وظل القديم ماثلًا حتى في شعر كبار المجددين مثل بشار وأبي نواس... والمتنبي لاحقًا. ولقد رفض بعض الشعراء المتسولين الوقوف على الطلل ولكن الدعوة إلى رفض الوقوف على الطلل قديمة. ففي زمن بني أمية دعا عبد الله بن أبي أمية إلى نبذ الطلل. ولذلك يحتاج ما يشاع عن سبق أبي نواس إلى رفض الطلل إلى التعديل. ومنذ الجاهلية قال الشعراء قصائد خالية من الطلل ومن التقديم عامة.
ويتصل شعر المتسولين لما فيه من تركيز على الفقر وغلاء المعيشة ببعض ما ورد في شعر أبي العتاهية:
من مبلغ عنّي الامام
إني أرى الأسعار ... أسعار الرعية عاليهْ
بيد أن أبا العتاهية شكا الفقر إلى الخليفة ناطقًا بلسان العامة والمتسولين والشعراء نطقوا عن فرديتهم ومشاكلهم الخاصة في الغالب. ... (م) ... كما تحجر الكلاب ثماله
ويمكن القول إن شكوى الحاجة مبثوثة ضمنًا أو صراحة في الشعر الجاهلي (طرفة..) والاسلامي (الحطيئة..) وما تلاهما لكن الفقر وما يتصل به من معان ونوع التعبير عنه وعن تلك المعاني تجعل شعر المتسولين متميزًا بلونه. ويشابه"فحش"الشعراء الفقراء شعر المجون وتحدي القيم التي يدعو المحافظون إلى التمسك بها. و"الفحش"قديم في الشعر العربي، إذ وجد في شعر امرئ القيس والنابغة الذبياني وطرفة... وينسب إلى الوليد بن يزيد التهتك في الإسلام فهو"أول من فتح للشعراء باب الاباحة والتعبير الحر عن مختلف نوازع نفوسهم وشهواتها"وقد اشتد أمر المجون في القرن الثاني الهجري. فأبو دلامة الجون (توفي عام 160ه) يتصيد التعابير الماجنة ويتناول في شعره جميع ألوان التهتك والخلاعة" (38) ."