فهرس الكتاب

الصفحة 13888 من 23694

ولشعر المتسولين بالنظر إليه في كليته وتفاعل مضامينه وصيغه الفنية مقومات جمالية ومضمونية واضحة متفاعلة تجعله لونًا قائم الذات في الشعر العربي، فهو تيار واحد متعدد الفروع أو لون واحد غني بالتفاصيل، فيكون كل شاعر صوتًا متميزًا داخل التيار العام الموحد للمجتمع. فلئن كان الفقر مادة الجميع فمعالجته تختلف من شاعر إلى آخر بحسب رؤية كل شاعر للفقر ووفق تجربته الخاصة وحسب ثقافته الشعرية أي أن ذاتية الشاعر أو روحه تتحكم في نوع قوله الشعري. فانطلاق الجميع من موضوع الفقر لا يعني أنهم ينشئون حتمًا شعرًا واحدًا وأن تضمن عناصر متشابهة متعددة. فالشعر باعتباره فنًا أو عدولًا يعسر تصور انطباقِ على بعضٍ انطباقًا تامًا، فمهما وحد الفقر في الواقع بين الشعراء والمتسولين فكل منهم يعيش على فقره على نحو ذاتي. وتزداد هذه الذاتية اتساعاًَ عند التعبير الشعري عن ظاهرة الفقر. بل ان التنوع قائم داخل أشعار الشاعر الواحد.

وشعر المكدين في جملته على هامش الشعر العربي الذي سارع وكرّسه اللغويون والنقاد ومؤرخو الأدب والفقهاء والحكام والذوق العام. ويعزى نعته بالهامشي إلى خصائصه الجمالية ومحتواه وإلى ضياع كثير منه وعدم شيوعه وقلة اعتناء الباحثين به.

ولئن كان شعر المكدين حضريًا وابنًا"غير شرعي"للمدينة العربية الاسلامية في القرن الثاني (وربما بدايات الثالث) والرابع الهجريين فله قرابة لا تخفى بشعر الصعاليك منذ الجاهلية إلى أيام الدولة العباسية مضمونًا وشكلًا فنيًا.

فشعر الصعاليك مادته الأولى الفقر والجوع. والشاعر الصعلوك يصف فقره ويبرز أنفته ونفوره من الغنى المرتبط بالذل. أما الشاعر المتسول الحضري فهو يصف فقره أو يعلنه ويقر بذله، وتسوله برهان ذلته بقطع النظر عن نقمته على المجتمع إن وجدت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت