وليس في شعره خضوع للدهر أو تعليل غيبي للفقر. وشعره يخلو من المقدمات وينصب على موضوعه مباشرة وفيه امتزاج بنسب متفاوته بين الخطاب المباشر (لعله الأوفر) والخطاب عن طريق الصور.
أما الأحنف العكبري فمعظم شعره مقطعات وله بعض القصائد القصيرة. ورغم ميله إلى البحور الخفيفة فإنه لا يعد ملتزمًا بوزن دون آخر، وهو يستوحي الفقر لكنه لا يصف وجوهه المختلفة في حياته إذ يقرر فقره وذله واغترابه ووحدته كما لو كان يمر من الفقر إلى ما ينتج عنه أو يتأمل حال الفقير وفشله في محاولاته للخروج من وضع الفقر كما يعلل هذه الخيبة ويتضمن شعره تأملات عميقة في قيم عصره وعلاقاته البشرية وغياب الصداقة فيه ويبدي في شعره روحًا شبه فلسفية ومعرفة كلامية وأفكارًا زهدية.
فهو أميل من سابقيه إلى التجريد الفكري، فكأنه"منظر"شعراء التكدية.
وتتداخل في قطع الأحنف المواضيع فلا تُردّ غالبًا إلى موضوع واحد رغم استلهامها الفقر والتحليق حوله. وفي شعره بعض الميل إلى الفحش المتصل بحياة المتسول وهو ميال إلى الخطاب الصريح، قليل الصور. وتبدو رؤيته للعالم واقعية مترددة بين التمرد والاستسلام.
ومهما كان هذا الشعر بروافده الثلاثة لصيقًا بالواقع فإنه قائم على مقدار هام من الخيال الفني. فالفقر مادته الأساس ومنها يتفنن في توليد المعاني، وقد اقتضى هذا المضمون وما نشأ منه وما اتصل به من معان بنية واضحة هي القصيدة القصيرة الخالية من المقدمات المنصبّة على غرض واحد أو جزء منه به تحيط إحاطة عامة أو مفصلة قليلًا، وفي هذا الشعر تتحقق الوحدة الفنية غالبًا.
ونغمية هذا الشعر الخارجية هي المتولدة من الأوزان الخفيفة التي تعضدها الأنغام الداخلية المتنوعة فتزيد هذا الشعر خفة وانسجامًا وغنى.