إن الممكن لا يستقل بنفسه في وجوده- وهو ظاهر- ولا في إيجاده لغيره، لأن ظاهرة الايجاد لا تأتي إلا بعد ظاهرة الوجود؛ وهذا يعني أن الشيء أو الممكن ما لم يُوجَد أن يُوجِد لا يُعقلُشيئًا آخر. فلو انحصر جميع الموجودات في الممكن، للزم عدم وجود شيء أصلًا، وهذا خلاف الواقع؛ لأن الممكن وإن كان متعددًا لا يستقل بوجود ولا إيجاد، ويعني ذلك أن لا وجود ولا إيجاد، فلا موجود بذاته ولا بغيره. والمفهوم من ذلك أن هناك واجب الوجود، فهو الذي خلق جميع الممكنات، وهو الله سبحانه وتعالى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك مسالك عديدة بعباراته المختلفة في إثبات الصانع؛ غير أن هذا المسلك يعتبر أحضر المسالك وأظهرها (17) . وأصح الطرق لاثبات الصفات الالهية هو قياس الغائب على الشاهد؛ فنقول عمومًا في عالمنا المحسوس لصاحب العلم بأنه"عالِمٌ"، وينبغي بالتالي أن يكون حكمنا لله تعالى أن له أيضًا صفات ذات نحو العلم، والحياة، والقدرة والارادة، والسمع، والبصر وما إلى ذلك منها. فهو إذن عالم، حيّ، قادر، مريد، سميع بصير.
وأما عن صفاته الخبرية التي وردت في النص نسبةً إلى الله تعالى والتي توهم التشبيه أو التجسيم. فلا يجب حملها على حقيقتها، لأن من كان له رسوخ قدمٍ في علم البيان حمل أكثر ما ذكر من الآيات والأحاديث المتشابهة على التمثيل والتصوير وبعضها على الكناية، وبعضها على المجاز. مراعيًا لجزالة المعنى وفخامته، ومجانبًا عما يوجب ركاكته، وعليه بالتأمل فيها وحملها على ما يليق بها. والمفهوم من ذلك أن الجرجاني قد تبنى بمسلك المتكلمين في ضرورة تأويل النصوص حول الصفات الخبرية؛ ويعني ذلك أنه ذهب أيضًا إلى أن رؤية الله ستتحقق بلا كيف (18) .
3-المعجزة والكرامة: