2 ـ الواجب بغيره بشكل دائم، بمعنى أنه لا يمكن أن لا يكون، أي أنه ضروري، لكن ضرورته لا تكون في مستوى الذات، وإنما فقط في مستوى الوجود.
وفي هذا المعنى بالذات يبين ابن سينا أن طبيعة هذا النوع من الموجودات ليست بسيطة، وإنما هي مركبة من ذات ممكنة الوجود بذاتها ومن وجود واجب بواجب الوجود. فالإمكان يقع إذن في مستوى الذات. هذا هو العالم المعقول. إنه غير متشكل من مادة وغير مسبوق بالزمان، لكنه صادر عن علة فاعلة.
3 ـ الواجب بغيره من وقت لآخر، هذا هو العالم المحسوس الذي يشمل كل الكائنات المركبة من مادة وصورة، أي المسبوقة بالمادة والزمان والصادرة من علة فاعلة. ويعود الفضل في وجود هذه الكائنات إلى ثلاثة أسباب: المادة التي سبق لها أن وجدت زمانيًا، الصورة الصادرة عن العقل الفعال، وحركات الأفلاك السماوية التي تجهز المادة لاستقبال الصورة.
إن كل مخلوق مركب من ذات ومن وجود كلاهما متميز عن الآخر. إذا كانت المخلوقات مقتصرة في وجودها على هذا النوع من التركيب، فإنها تكون عقولًا مفارقة وملائكة، ولكن ثمة تركيبًا آخر في الذات نفسها، ألا وهو المادة أي القوة، والفعل، أي الصورة. ويشمل هذا التركيب كل الكائنات الأرضية.
إن ما تسمح لنا الخبرة الحسية بمعرفته لا يتجاوز حدود الأعيان التي وجودها يتعلق بعلة ما، لكن مجموعة الأعيان وعللها ليست إلا عبارة عن موجود ممكن بسيط. من المعلوم أن الممكن هو ما يكتسب وجوده من علة قائمة بالفعل. أي لو لم توجد إلا موجودات ممكنة لأدى بنا المطاف إلى العدم، وبشكل آخر يمكن القول: لو لم توجد معلولات واجبة بالفعل، لانعدمت الموجودات الممكنة، ولأن الممكنات موجودة والعلل الواجبة بالفعل متناحية، إذن ثمة موجود خارج عن الحلقة الكلية للعلل الواجبة هو علة لوجودها، هذا هو واجب الوجود بذاته.