فإمكانية الوجود بذاتها لا تنجم عن أية علة، أي أن كل موجود، لا يكون وجوده ضروريًا بذاته، هو ممكن، ليس بغيره، وإنما بذاته، وفي هذا المعنى يقول ابن سينا:"إذن يجب، لكي يحصل وجود هذا الشيء، أن تختفي الإمكانية، والإمكانية بذاتها لا تختفي مطلقًا، لأنها لا تصدر عن أية علة. وهكذا فإن إمكانيته بالنسبة للعلة هي التي عليها أن تختفي، لكي يصبح من الضروري على هذا الشيء أن يوجد عن طريق العلة". وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت علاقة الشيء مع العلة منتهية وتامة بحيث تتحقق كل الشروط وتصبح العلة بالفعل. والعلة لا تصبح بالفعل إلا إذا نجم عنها المعلول ضروريًا (99) .
وهكذا فإن كل ذات، قبل إضافة الوجود إليها من المبدأ الأول، هي ممكنة بذاتها. بيد أن تلك الذات، كما يعرضها ابن سينا، تستحق العدم:"والممكن الوجود بذاته ليس خيرًا محضًا لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود بذاته، فذاته تحتمل العدم". ثم يضيف قائلًا:"وسائر الأشياء، فإن ماهياتها، كما علمت، لا تستحق الوجود، بل هي في أنفسها وقطع إضافتها إلى واجب الوجود تستحق العدم، فلذلك كلها في أنفسها باطلة، وبه حقة، وبالقياس إلى الوجه الذي يليه حاصلة فلذلك كان كل شيء هالك إلا وجهه، فهو أحق بأن يكون حقًا (100) ".
وفي الواقع لا يوجد تناقض بين الممكن الإيجابي المتمتع بوجود خاص والممكن الذي يفيد العدم، لأن وجهة نظر ابن سينا، هنا، ليست ميتافيزيقية محضة، وإنما منطقية ولاهوتية معًا. فلا يمكن للذات، في المستوى الميتافيزيقي، أن تكون عدمًا وشيئًا ما معًا. أما باتجاه جبروت الخالق ومن وجهة نظر دينية لاهوتية فإنها، قبل استقبالها للوجود المحدث، عدم وموجودة على نحو ما في الوقت نفسه. فالموجودات المحدثة ترتبط بالمبدأ الأول بشكل مزدوج: ارتباط في الخلق، وارتباط في مستوى العقل الإلهي الذي منه تصدر الذوات.