وهناك من ينسب هذا الاختراع إلى الصينيين، ولكن يحدد تاريخًا لاختراعه يسبق التاريخ المذكور بأربعة قرون، أي في القرن الخامس للميلاد. وممن يرى مثل هذا الرأي الأخير العلامة التونسي المرحوم عثمان الكعّاك الذي قال في محاضرة ألقاها على المدرّج الرئيسي لجامعة دمشق في أواخر شهر كانون الأول 1962، إن الصينيين عرفوا البارود في تاريخ متقدم، وإن سر البارود انتقل إلى العرب المسلمين في زمن الخليفة هارون الرشيد الذي وعد بعض الأسرى الصينيين لديه، نحو عام 800م، بأن يطلق سراحهم إذا كشفوا له سر صناعة البوصلة والبارود، فقام هؤلاء بذلك.
والظاهر أن الصينيين، بعد اختراعهم البارود، كانوا يستخدمونه في الأسهم والألعاب النارية التي كانوا يطلقونها في المواسم والأعياد فقط، ولكنهم لم يستخدموه- في بداية الأمر- كقوة دافعة أو متفجرة في الحروب. وهناك دراسة أجرتها إحدى الباحثات العربيات المعاصرات تتبنى فيها هذا الرأي فتقول:
"وقد عُرف مسحوق البارود لأول مرة في الشرق، وبالتحديد في الصين، ويُقال أن الصينيين هم أول من اكتشف مسحوق البارود وتفننوا في طرق الاستعمال بدون أن يتمكنوا من استخدامه كمادة لإطلاق المقذوفات الهادفة إلى القتل وسبب ذلك يرجع ربما إلى احترام الصينيين القدامى للحياة البشرية والحيوانية على حد سواء" (5) .
وسواء أكان عدم استخدام الصينيين للبارود كمادة دافعة أو متفجرة في الحرب هو بسبب احترامهم للحياة البشرية والحيوانية- كما تقول الباحثة- أم لا، فإن البارود لم يُستخدم في الأسلحة النارية إلا عندما لوحظ أن"احتراقه في حيز محصور يولّد ضغطًا عاليًا في برهة وجيزة" (6) ، وهذا الأمر لم يتم إلا في مرحلة لاحقة، ولكن متى حدث ذلك وأين؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفقرة التالية.
ثانيًا-استخدام البارود في الأسلحة النارية: