والحقيقة أن هذا التقليد التراثي أعني التأليف بالشعر، لم يندثر، بل استمرت نماذجه في مجرى الثقافة العربية تطالعنا بين الفينة والأخرى وإن قلّت، بوضوح، عما كانت عليه في القديم. وقد راح بعض الشعراء في أيامنا هذه يستعرضون قدراتهم على النظم في تأليف بعض الكتب. ومن هؤلاء الشاعر السوري (أحمد الجندي) رحمه الله الذي ألَّف كتابًا بعنوان"قصة المتنبي شعرًا". وقد طبعها في بغداد عام 1973، ثم أعاد طبعها في دمشق بدار طلاس. وفي هذا الكتاب الشعري يؤرخ (أحمد الجندي) بالشعر لحياة أبي الطيب المتنبي شاعر العربية الأكبر، ومالئ الدنيا وشاغل الناس، وإذا فتحنا كتاب الجندي وجدناه يقول (في ص 7 طبعة بغداد) مثلًا:
مرَّ في خاطر الزمان وليدُ
أسمرُ الوجهِ كالمساء جلالًا ... أسودُ العين، باهرٌ ممدودُ
موجةٌ من رجولةٍ فوق بحرٍ ... يتمطَّى تياره العربيدُ
فإذا الشاعرُ العظيمُ حديثٌ ... يتغنَّى، ونشوةٌ، وقصيدُ
ثم يضيف في (ص 13) على لسان شاعرنا العظيم، كاشفًا عن بعض سجاياه وخاصائصه: ... ضِ فنفسي يضيقُ عنها زماني
لا أراني أعيش في هذه الأر
إنني شاعرُ العروبة ضوئي ... ملأَ الأرض بالمنى والأماني
وبشعري سار الزمان وغنى الرَّ ... كبُ في البيدِ مُطرباتِ الأغاني
وبعد، فإننا نخلص من خلال العرض الموجز السابق إلى نتائج نصوغها على النحو التالي:
1-إن التأليف بالشعر عند العرب كان قد بدأ مع فجر عهدهم بالتدوين والتصنيف، وبعبارة أخرى منذ القرن الهجري الأول، وحتى أيام الناس هذه، ومن المعروف هنا أننا نريد نظم المعارف والعلوم، ولا نقصد إبداع المسرح الشعري الذي يشكل نسقًا معرفيًا آخر.
2-إن بحر الرجز لم يكن البحر الوحيد الذي ركبه المؤلفون في مؤلفاتهم الشعرية، فهناك بحور أخرى كالبسيط وغيره من البحور، نظمت عليها ألوان من المعارف متباينة. وقد كان بحر الخفيف مثلًا هو بحر أشعار المرحوم أحمد الجندي التي مثّلنا بها قبل قليل.