فلكل الكائنات البشرية، مثلًا، ذات مشتركة مقومة بمحمول جوهريٍّ أو بصفة أساسية هي الجنس، وبصفة أخرى هي الفصل النوعي. هذا الأخير يحدد الجنس ويميّز النوع البشري عن غيره من الأنواع. إذن فالفصل النوعي بالنسبة للجنس هو عنصر تشخيصي يميز النوع البشري عن غيره من الأنواع. ولما كانت المادة والصورة تقابلان، في الواقع، الجنس والفصل النوعي، لذا فإن الصورة تلعب بالنسبة للمادة نفس الدور الذي يلعبه الفصل النوعي بالنسبة للجنس، أي أن الصورة هي عنصر تشخيصي يميز النوع البشري عن غيره. بيد أن المحمولات العرضية، كالخاص (الضحك والكتابة) ، وكالعرض العام (كاللون والشيب) تميز عدديًا الموجودات الجزئية للنوع البشري، إذن فالمحمولات العرضية هي المبدأ التشخيصي ضمن إطار موجودات النوع الواحد. ولما كانت تلك المحمولات العرضية ناجمة، في الواقع، عن المادة المتحولة الفاسدة، لذا فإن المادة هي المبدأ التشخيصي ضمن إطار النوع الواحد (67) .
أما بالنسبة للتحديد، فإنها قضية شغلت الشيخ الرئيس طوال حياته. يدل التحديد على ماهية الشيء بكل عناصرها المقومة لها. كما وأننا نتوصل، عن طريق التحديد، إلى تصور ذات الشيء، وإلى تمييزها عن الأشياء الأخرى في الوقت نفسه (68) . ولما كان التحديد يقع في مستوى الماهية، فإننا لا نستطيع أن نحدد سوى الأشياء المركبة، لأن الأشياء البسيطة ليس لها ماهية. وهكذا فإن الله، عند ابن سينا، لا يمكن تحديده. وبكلمة واحدة يمكن القول إن التحديد هو، كالكلي، يعطي العقل تصورًا دقيقًا عن الذات (69) .